أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
فهذه نعمة يجب عليك نظر قوي فيها ثم زادك اللّه تبارك وتعالى نعمة أخرى إلى هذه النعم فجعلك ناطقا وفضلك على الحيوان الحساس خاصة فزدت معرفة بما يعرفه الحيوان فتزداد عبادة واجتهادا على حسب الطور الذي انتقلت إليه وهنا عليك نعمتان كبيرتان النعمة الواحدة بأن أعطاك بنطقك حقيقة الملك وهو الاشتراك في العقل الإلهي فوجب عليك ما وجب على الملك من جهة روحك وقد سمعت بعبادة الملائكة التي أخبرنا اللّه بها على مراتبهم وقد دخلت أنت بعقلك معهم فتوجه عليك في روحك العقلي وسرك اللطيف الملكي ما توجه على الملك فأنت مطالب بالحضور الدائم وشاركت النازلين عنك من عالم الأجسام جمادهم ونباتهم وحيوانهم في حقائقهم التي لم يشاركهم فيها ملك فتوجهت عليك كما ذكرناه عبادتهم فكل عبد للّه مطلوب في العبادة بما تقتضيه حقيقته فالملك مطلوب في عبادته بحقيقته ما عليه مزيد والحساس مطلوب بثلاث حقائق بحقيقة انفصاله من النبات والجماد وبحقيقتي اشتراكه مع عالم النبات والجماد ، وعالم النبات مطلوب بحقيقتين حقيقته التي أنفصل بها عن الجماد وحقيقة اشتراكه مع عالم الجماد ، وعالم الجماد مطلوب في عبادته بحقيقته ، فإنه لا شيء أرفع منه ، ولهذا أبدأ يقابل العلو السفلي والأول الآخر والشيء نقيضه أبدا وأنت يا وليي الذي هو الإنسان مطلوب في عبادتك هذه بخمس حقائق حقيقة الملك فإنها فيك وحقيقة الحساس وحقيقة النبات وحقيقة الجماد وحقيقة الجمعية لهذه ، فإذا وفيت بشكر هذه الحقائق وتأيدت بها وعبدت اللّه على مقدار ما أعطاك من التمكين في الكشف من معرفتها إن كنت مريدا صادقا بعد هذا تنتقل إلى أول قدم من ظاهر الشريعة ولا تقل إنك أرفع من الجماد ولا أشرف من الملك ولا أحط منه فإنك في طور آخر مفرد يخصك وذلك أن اللّه قد وهبك سر الجمعية العامة وهو الذي حجبك عن عبوديتك وبه ترأست حتى قيل في الملائكة
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ