البروز الأول من غير شيء لأن زكريا ( ع ) إنما تعجب من بشراه له تعالى بيحيى على كبره وامرأته عاقر ، فذكر له ما هو أعجب من ذلك وهو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود فإن النقلة في مراتب الوجود من وجود إلى وجود باختلاف الأحوال أهون من إبراز المعدوم ، فلهذا كان أعجب مما تعجب منه زكريا ومن هذا تعجبت امرأة إبراهيم ( ع ) حين بشرت بإسحاق ( ع ) فقالت :
يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
وهذا يا وليي إذا نظرته من الأسرار العجيبة فتنبه له وعسى أن تعثر على الفصل بينهما وذلك أن اللّه قد أخبرنا عن زكريا ( ع ) بما أخبرنا عن امرأة إبراهيم ( ع ) فبشرك بين المرأة والرجل في هذا التعجب وبشرك بينهما في العلم لأن التعجب على قدر العلم ومعلوم فضل الرجل على المرأة في الميراث والشهادة والصوم والصلاة
وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ
وهذه المسألة مسألة مفرعة لتعلقها بباب المعرفة وقد أشترك فيها نبي اللّه زكريا ( ع ) وامرأة وليست بكاملة فحقق خاطرك يا وليي في هذه المسألة عسى تعثر عليها وكنت أذكر لك وجه الفصل بينهما وأبينه وأكني رأيتك تحب أن تأخذ العلم من ربك فناديت معك وأبقيتها مهملة قال اللّه تعالى جوابا لزكريا ( ع ) :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
وقال تعالى جوابا لامرأة إبراهيم ( ع ) :
أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
ولوحنا لك وألقيناك على الطريق فادرج عليه فإن ما بينك وبين العلم إلّا كلمة واحدة وهذا غاية ما قدرنا عليه في حقك من تقريب المسألة إلى هذا ، وسترناها خلف حجاب واحد رقيق والخطاب على قدر العقل فانظر يا وليي أول نعمة أنعم بها عليك لو كلفك اللّه شكر هذه النعمة وحدها وجعل معك أهل السماوات والأرض بعبادتهم مؤيدين لك عمرك الآخروي الذي لا نهاية له ما قمت بشكرها ، كيف وقد انضاف إليها نعم كثيرة غيرها ثم طالبك في الشكر والعبادة على قدر استطاعتك خاصة ، فأبيت الإنصاف وتكاسلت وتخاذلت وتعاميت وتصاممت ما هذا ممن يدعي العقل والمعرفة