تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ
هذا شكرهم على معرفتهم وهي نصف المعرفة وأنت قد أنشئت من مقام المعرفة بكمالها والصورة الإحاطية والاستخلاف الإلهي فكان ينبغي أن يكون شكرك أتم من شكرهم وزكاتك أعظم من زكاتهم لأن معرفتك كلية فكان الأولى بك أن تقوم الركعة الواحدة مقام عبادة أهل السماوات والأرض فإياك أن تحجب نفسك بأن تقول يا أخي : كاتب هذه الرسالة ما عرف مقامي ولا من أنا فما قصدتك بالكلام وإنما تكلمت على ما تقتضيه الحقائق وحصرتها حصرا إحاطيا وكشفتها كشفا اعتصاميا لم يبق ملك ولا رسول ولا نبي ولا ولي ولا أحد إلّا دخل في هذا الحصر ، فلا بد أن تكون يا قارئ هذه الرسالة واحدا من هؤلاء الأقوام والطبقات وأدعى فيمن شب فقد سلمت لك ولو أدعيت الملكية وحدها أو الرسالة أو النبوة أو ما أدعيته : الحقائق تحكم عليك قسرا وتردك إلى العبودية وإلى الموطن إن عصمت ، وإن خذلت عميت عن الحقائق واستعجلت الآجلة وأجلت العاجلة وجعلت غيرك المحجوب وأنت العاقل عن اللّه المصيب ، فإذا انقلبت وجدت عملك هباء منثورا وطردتك الحقائق السعادية عن بابها وقالت لا أعرفك فإنك ما صاحبتني في الدنيا ولا تعرفت إلي ودعاك خيالك الفاسد القاصر فرمى بك في سواء الجحيم فكيفما نظرت في خلق الحق لك بيديه : إن كان ابتلاء فلا بد من الجذر والوزن مخافة النقص والتطفيف وإن كان شرفا ورفعة فلا بد من الجد والاجتهاد في الشكر كما قال ( عليه الصلاة والسلام ) « لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا » وكما قال بعض العارفين وقد رأو صوفيا يضحك ملأ فيه لا يخلو أن تكون بشرت بسعادتك أم لا فإن كنت لم تأمن فما هذه حالة الخائفين وإن كنت أمنت فما هذه حالة الشاكرين فقد ناط به الذم من الطرفين في ضحكه فكيف لو رآه متنعما مترفا ويجمع ويدخر ويمنى نفسه بالغرور وقد تقدم حديث سلمان الفارسي في وقت ذكره لما فتح اللّه به على بعض الصحابة والتابعين