من كنوز كسرى وقيصر وإن اللّه ما أختار لنبيه الدنيا بل اصطفاه فقيرا لا يبيت على معلوم في البيت حتى مات وأشباه ذلك ، فإياك يا وليي والمغالطة فإن الناقد بصير وإليه تصير الأمور وقد مضت العبارات وما بقيت إلّا تسبيحات فلا يغتر العالم بعلمه ما لم يستعمله ولا يغتر بإستعماله ما لم يخلص ولا يغتر بإخلاصه ما لم يفن عنه . هذه مسألة من تحقق بها وبمعانيها لم يسكن له جأش ولا يطيب له عيش يشتغله شأنه عن كل شأن لما يؤول إليه حاله فإن قوارع القرآن تزعج العاقل اللبيب وتنغص حياة الفطن المصيب مثل قوله تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
وقوله :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً
وقوله تعالى :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ
وأمثال هذه القوارع والزواجر المتلوة في المحاريب والمحاضرة تقرع أسماعنا آناء الليل وأطراف النهار ، فلا معرفة ثابتة في القلوب فيردعنا الحياء ولا خوف فيكفينا الوعيد والتقرير فلا ندري في أي نمط نتميز ولا بأي فرقة نلحق نسأل اللّه لنا ولكم وللمسلمين وفي جميع الأحوال هنا وعند الموت وفي المآل العافية . ومما يحض العقل السليم على الاجتهاد ويحول بين جفنه وبين الرقاد نظره في النعم المترادفة عليه إذا حققها وذلك يا وليي ( أبقاك اللّه تعالى ) إن أول نعمة عقلتها من ربك إخراجك من العدم إلى الوجود وقد عدد هذا المقام عليك من جملة نعمه فقال :
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً
ثم خاطب بهذا المقام الخاصة الرفيعة من عباده الذين نحن اتباع لهم فقال لنبيه زكريا ( ع ) في وقت تعجبه من قدرة اللّه تعالى على حكم العبادة في إيجاد ابنه يحيى ( ع ) :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
فإياك أن تتوهم أن هذا الخطاب لزكريا في حق نفسه لابطال المعنى فيه فإن خلق ابن آدم أعجب من خلقه في حكم العادة لأن زكريا ( ع ) قد أظهر العلة فلو أحاله على خلق نفسه لما أتاه بأعجب مما تعجب منه وإنما أشار إليه بذلك أن ينظر في أول موجود وهي الحقيقة الإنسانية قبل كل شيء وهي أم الأشياء كلها ، وليست من شيء وهي