تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
بالموطن حيث عاملته بما لا يليق به فإن « الدنيا سجن المؤمن » وهي سجن المؤمنين وأنت تدعي أنك فوق الإيمان وأنا ما أسلمه ولكن صاحب السجن قد أرسلك اليه وأدخلك مع المؤمنين وسجنك معهم بما حجره عليك فلا تقرر أن تشرب خمرا ولا أن تكذب في حديث ولا أن تخلف وعدا ولا أن تحلف فاجرا ولا أن تنكح خمس حرائر وتوجه عليك ما توجه عليك مثل المؤمنين المسجونين فالحكيم يتنبه ويعرف أن ذلك موطن التكليف وقد لزمه ما لم يكن لزمه وهو خارج السجن فيقول هل هنا أحد من حضرة الملك من طوري وممن هو أرفع مني ، فيجد الأولياء والأنبياء والمرسلين فيقول لنا فبهم اقتداء وأنا منهم وهذا أكبر الدعاوي وأنا أسلمها وبهذا أمر اللّه نبيه أفضل الخلق فذكر الأنبياء وما أعطاهم ثم قال له :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
فتنظر في حال الأنبياء فتجد سيدهم وإمامهم أختار الفقر على الغنى والذل على العز للمؤمنين وقد خيره حين نزل عليه إسرافيل فقال « إن اللّه خيرك إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا فأشار إليه جبريل أن تواضع فقال نبيا عبدا » قال ( عليه الصلاة والسلام ) لو قلت نبيا ملكا لسارت معي الجبال ذهبا وفضة فأعطته المعرفة والهمة حين أشار إليه شيخه بالأولى تمنى العبودية فلازم الفقر والذلة والخضوع حتى كان يشد الحجارة على بطنه من الجوع فهلا اقتدا بهم هذا الشخص ولا يذهب طيباته في حياته الدنيا ولو علم أن المراتب في الجنة على قدر المراتب عند اللّه لسعى لنفسه ولعقله وكان من الملوك في الجنة وعند اللّه تعالى ولا كان يتكل على معرفته ويقول بكمال عقله ويجنح إلى الراحات ويكب على الشهوات ويتنعم في لين الثياب ولذيذ الطعام والشراب وأخوه المؤمن لا يجد ما يأكل فيقال له واسه فيقول حتى يخطر لي ، ما ألقي اللّه عندي فيه شيئا ، ما أجهله بخاطر من الحق إنما يفعل العارفون ذلك فيمن لم تبد منه حاجة ويظهر عليه الغنى وهو فقير فيخطر للعارف أنه فقير وهو كشف وإما من ظهر حاله وبانت فاقته فهي الخاطر الذي أعطاك اللّه فيه وأنت لا تشعر وهي أقوى