يزوروني ولا أزورهم : كل ذلك حظ نفساني وتلبيس شيطاني فإن كنت عبدت اللّه لتعبك ، فقد حصل لك أجرك في الدنيا ، وساء منقلبك في العقبى ، وإن كنت عبدت اللّه لحظ نفسك في الآجل إما لكونها عبدا فتحشر مع النبيين وإما لكونها أجيزت الحسنة بعشر أمثالها فتحشر مع المؤمنين فأزور ، وأزار وأقصد وأقصد ، وهذا حال النبي ( ص ) كان يزور ويزار ويحمل الكل ويعين الضعيف ويقري الضيف ولا يبيت على معلوم ولا يجزع من الفقر . ألا إن الفقير العارف من لا يبكي غده من أجل رزقه فكيف من أجل خلقه وبهذا تغالط النفس فتقول إنما أمسك هذا الشيء في حق الغير لا في حق نفسي قال اللّه تعالى يكذبها :
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ
ومحال أن اللّه يطعم فلم يبق إلّا أن يطعم من أجله ، فمنع من ذلك السادات الكبراء وأبقى في حالة العامة الضعفاء ونفسي تدعى الخروج عن العامة فقد لزمها أن تخرج من السعي والإدخار في حق الغير ، فإنه شرك محض ، وطعن في القدرة كما أن المتسبب إذا لم يقدر على الجلوس مع اللّه مطعون في إيمانه فهذا هو الأمر الواحد من الأمرين فقد بطل دعواها فيه في اتساعها في الدنيا بعد تضييقها وإن كان يريد الإنصاف من نفسه وهو عند الأكابر مقام نازل ولكن لهذا أن يفعله فإنه ليس من الأكابر حيث رأى للدنيا وأبنائها حظا وقدرا فيصول عليهم ويتعزز هلا شغلته عبوديته مع عزة اللّه عن عزته مع ذلة الخلق ، ولقد فاته حظه من اللّه - نسأل اللّه جميل العاقبة - وأن يطعم الخلق ولا يأكل منه ألبته فإن أكلل فلنفسه سعي ولها أدخر . وأما الأمر الآخر الذي وسعت به النفس عليها بعد تضييقها فهو أن يتخيل أن ذلك لا يؤثر في مقامها ولا ينقص لها من مكانتها ولما كانت غير عاملة للثواب وإنما عملت للعبودية فلا تبال في أي واد مرّ بها إذا صح حالها مع اللّه ، وليس ثم أمر ثالث والحمد للّه . فإن كانت فعلته لهذا فلا تشك أصلا في جهلها وتغريها في نفسها لوجوه كثيرة تدل على جهالتها منها جهلها