أحد وكان معقود اللسان لا يتكلم إلّا عن مشقة فإذا تلى القرآن كان من أحسن الناس صوتا وأبدعهم مساقا ، كان كثير الاجتهاد وكان ينخل الحنا بالأجرة ، قل ما تراه إلّا مكحول العينين أشعث أغبر .
وإنما كان يكحل عينيه من أجل غبار الحنا .
ومنهم ( رضي اللّه عنه ) أبو عبد اللّه محمد بن أشرف الرندي من الأبدال شيخ الجبال والسواحل انقطع بالجبال والسواحل لا يأوي إلى معمور قريبا من ثلاثين سنة كان قوي الفراسة كثير البكا طويل القيام دائم الصمت كثيرا ما ينكت بأصبعه في الأرض مطرقا متفكرا يرفع رأسه فيتنفس الصعداء لصدره أزيز شديد الوجد غزير الدمعة صاحبته وعاشرته زمانا كان إذا وقعت عينه علي فرح بي واستبشر خرج عن حال كثير وافر كان من أعين من في موضعه خرجت وقتا من مدينة « شدونة » أريد الساحل في طلب الرجال فتبعني شاب لا نبات بعارضيه يريد صحبتي فأخذته معي فقام أمامي شخصان الواحد أسمر طويل يقال له عبد السلام السائح يجول في الأرض لا يقر به قرار ومعه آخر يقال له محمد بن الحاج وكانا يمشيان مشيا سريعا فلحقتهما وكان بيني وبينهما خمسة أميال فمررت عليهما مستعجلا وكان يوم جمعة فأويت إلى قرية يقال لها « روطة » من أجل صلاة الجمعة فدخلت مسجد الجماعة فركعت ركعتين وهو موضع يطرقه الصالحون رباط حسن له بركات مشهورة فاتفق لي بها قصة فلم ألبث أن جاء هذا - أبو عبد اللّه بن أشرف - فلما دخل قام إليه ذلك السائح وصاحبه فسلما عليه وعرفاه وأنا مضطجع في الجامع أضرب بيدي على صدري وأغني شعرا :
ضاحك عن جمان * سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان * وحواه صدري
فجاء إلي وأقامني وقال أتريد أن تستر نفسك ؟ فقلت له وكذلك تفعل أنت فكان كما قلته فأقبل إلي شيخ القرية ورغب أن أفطر عنده