السلطان في قتله فسجن تلك الليلة فانصرف وهو يقول عجبا لم يزل المؤمن في سجن وإنما هذا بيت من بيوت السجن فلما كان في اليوم الثاني جلس السلطان وأخبره الوزير بقصة الشيخ وكلامه فأمر به فحضر بين يديه فرأى رجلا دميم الخلقة لا يؤبه له وما أحد من أهل الدنيا يريد له خيرا وهذا كله لقوله الحق وإظهار معايبهم وما هم عليه من الجور والفساد فقال له السلطان بعد ما سأله عن اسمه ونسبه أتحفظ توحيدك فتلا عليه من القرآن بتقاسيمه فتعجب الملك وانبسط له إلى أن دخل معه في المملكة وشأنها فقال له السلطان ما تقول في ملكي هذا فضحك فقال له مم تضحك فقال منك تسمي الزمان الذي أنت فيه ملكا وتسمي نفسك ملكا أنت كمن قال اللّه تعالى فيه :
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
إنما كان الملك اليوم الذي يصلى اليوم بنارها ويجزي بها وأما أنت فرجل عجنت لك خبزة وقيل لك كلها ثم أغلظ عليه في القول بكل ما يكرهه ويغيظه وفي المجلس الوزراء والفقهاء فسكت السلطان وخجل وقال هذا رجل موفق يا عبد اللّه أجلس مجلسنا قال لا فإن مجلسك مغضوب ودارك التي تسكنها أخذتموها بغير حق ولولا أني مجبور ما دخلت هنا حال اللّه بيني وبينك وبين أمثالك ، فأمر له بأعطية وعفاه في نفسه فرد له الأعطية وقبل العفو وخرج فأمر السلطان أن تدفع إلى أهله ، وما مضى زمن قليل إلّا والوزير قد مات وخرج أبو محمد وحضر جنازته وقال بررت في قسمي . وكان يصيح ويرفع صوته أمام أرباب الدولة ويقول هؤلاء الفجار بغوا في الأرض (
عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
)
خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
. صاحبت هذا الرجل وكان يحبني كثيرا استدعيته ليلة ليبيت عندي فلما أخذ مجلسه جاء والدي ( رحمه اللّه ) وكان من أصحاب السلطان فلما دخل سلم عليه وكان والدي قد أنقا فلما صلينا العشاء قدمت له الطعام وقعدت آكل وانضم والدي يغتنم بركته فرد إليه وجهه ( رضي اللّه عنه ) وقال يا شيبة