ودخل طريق الملامتية وأما محمد فجاور بها خمسة أعوام ولحق بأخيه بمصر فأقمت معهما وتأبى عبد اللّه زمانة فصمت معهما رمضان وخرجت إلى القدس الشريف ومشيت إلى مكة ( شرفها اللّه تعالى ) وأقمت بها إلى الآن وفي قلبي من فراقهما لهيب أما أبو عبد اللّه فإنه رجع إلى الطريق قبل أخيه بزمن طويل وكانت له والدة وكان بارا بها ( رضي اللّه عنه ) لزم خدمتها حتى ماتت غلب عليه الخوف حتى إذا صلّى يسمع لقلبه دوي على بعد سريع الدمعة غزيرها طويل الصمت دائم الحزن كثير الفكرة شديد التأوه ما رأيت قط أخشع منه لا تراه أبدا إلّا مطرقا ضاربا بعينه الأرض لا يمازح أحدا ولا يعاشره بريء من المداهنة قوي في المناصحة لا يستحيي في الحق من أحد ولا تأخذه في اللّه لومة لائم لا يداري ولا يمار ، ابتلي بالفقر والضراء فصبر له شأن عجيب وهمة رفيعة كنت أتعشق به وأنا صغير وكان إذا دخل المسجد هابه كل من رآه ما عاينته قط يكلم أحدا مبتدئا ولا يجيب إذ تكلم إلّا في ضرورة يحفظ دينه حفظا ما تمنيت من كل من رأيت أن أكون مثله إلّا هو ، وآخيته لما رجعت إلى هذه الطريقة وفرح بي ولازمته وانتفعت بآدابه وأخذت من خلقه ، كان يحتمل الأذى ويكف جفاه صدوق الرؤيا كثير النجوى ليله قائم ونهاره صائم لا تجده فارغا قط يحب العلم وأهله كنا قد اجتمعنا أربعة أنا وهو وأخوه ورابع لنا على السواء في كل ما يفتح به علينا ، فلم أر أياما قط في عمري أحسن من تلك الأيام رأيت من همته ( رضي اللّه عنه ) إن كان بين منزلي ومنزلهم بعد كثير فأذن بالعتمة وقد وجدت في خاطري الإنزعاج إلى الوصول إليه والرجوع إلى منزلي : الأمران معا ، فحرت كيف أجمع بين الخاطرين وكنت أعمل على أول الخاطر فاشتددت إليه عدوا إلى أن دخلت عليه فوجدته واقفا في وسط الدار وهو مستقبل القبلة وأخوه أحمد يتنفل فسلمت عليه فتبسم وقال لي ما الذي أبطأ بك قلبي متعلق بك عندك شيء وكان في جيبي خمسة دراهم فدفعتها له فقال جاءنا فقير يقال له علي السلاوي
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 173
مساهمون: ابن عربي
ص١٧٣