بيديه على حروفه وعيناه في المصحف يرتل القرآن بحنان وتدبر حتى يتم خمسة أجزاء وقد حان العصر فأذن ودخل مسجده يتنفل حتى تجتمع الجماعة فيصلّي بهم ثم يدخل منزله يذكر اللّه حتى تجيء المغرب فيخرج يؤذن ويصلّي ويدخل فيجيء بين العشاءين حتى يجيء وقت العشاء أو قربها اسرج القنديل في المسجد وأذن ودخل منزله يتنفل حتى يجتمع الجماعة يخرج يصلّي بهم ثم يغلق باب المسجد ويدخل منزله ويحاسب نفسه في حركاته وألفاظه وجميع ما يعلم أن الملك يقيده عليه فتكون حالته على حسب ما يجده في صحيفته ثم يقوم إلى سريره فينام فإذا مضى من الليل جزء فإن كان أصاب أهله أغتسل ودخل مصلاه يترنم بالقرآن ويتلذذ به تارة في حضرة التوحيد وتارة في الجنة وتارة في الاعتبار وتارة في الأحكام بحسب ما تعطيه الآية حتى يصبح فيخرج من صلاته وقد أطلع على علوم كثيرة في تلاوته من اللّه تعالى لم تكن عنده فهمه اللّه إيّاها من القرآن قال اللّه تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
فإذا طلع الفجر فتح المسجد وأذن ودخل منزله فركع الفجر وقعد في منزله يذكر اللّه فإذا أسفر خرج فصلى بالناس هكذا ديدنه ودأبه لا يتأدم في الجمعة إلّا مرتين في ليلة الاثنين وليلة الجمعة سني الحال والمقام كثير المعرفة قل أن يرى مثله جمعت بينه وبين صاحبي عبد اللّه وبدر الحبشي وصلّى خلفه .
ومنهم ( رضي اللّه عنهم ) أبو عمران موسى بن عمران المارتلي ، أنشدني لنفسه في شعر مجنس يخاطب نفسه :
فأنت ابن عمران موسى المسئ * ولست ابن عمران موسى الكليما
هو ( رضي اللّه عنه ) قد أخذ نفسه بالشدائد لزم بيته منذ ستين سنة لا يخرج جرى على طريق الحارث بن أسد المحاسبي لا يقبل من أحد شيئا ولا يطلب حاجة لنفسه ولا لغيره رأيت له رؤيا تدل على انتقاله من مقامه إلى ما هو أعلى منه فقال لي بشرتني بشرك اللّه بالجنة فلم يكن