الموضع وضيقت بها على البئر فالتفت إلينا ونظر وكان قد انحنى ظهره من الكبر فقال في هذه الدار ربيت من صغري وواللّه ما رأيت قط هذه الزيتونة إلّا الآن فكان بهذه المثابة من الاشتغال بقلبه ما دخلت قط عليه ولا غيري إلّا وجدته قارئا في المصحف لم يمسك كتابا غير المصحف حتى مات وكان له هرة سوداء لا يستطيع أحد أن يمسكها ولا يلقي يده عليها وكانت ترقد في حجره وكان يقول لي لهذه الهرة تمييز لأولياء اللّه فهذا العذار الذي ترى فيها ما هو سدى قد جعلها اللّه تأنس بالأولياء فشاهدتها مرارا عنده فيدخل إنسان فتحك خدها في رجله وتتعلق به ويدخل آخرا فتفر منه ولقد دخل عليه شيخنا أول مرة دخل عليه - يعني أبا جعفر العريني ( رحمه اللّه تعالى ) الذي ذكرته أولا - وكانت الهرة في البيت الآخر فخرجت من البيت ونظرت إلى شيخنا أبي جعفر وفتحت يديها على عنقه فعانقته ومرغت وجهها على لحيته فقام إليه أبو الحجاج حتى أجلسه ولم يقل شيئا فأخبرني أبو الحجاج أن ذلك الفعل ما رأيته قط فعلته مع غيره ولم تزل عنده حتى خرج من عنده وجاءه رجل وأنا عنده في جماعة وفي عينيه وجع شديد يصيح منه مثل النفساء فدخل عليه وقد شق على الناس صياحه فاصفر وجه الشيخ وقعد وقلع يده المباركة ووضعها على عينيه فسكن الوجع من جبينه واضطجع الشخص كأنه الميت ثم قام وخرج مع الجماعة وما به من بأس وكان له صاحب من صالح مؤمني الجن أبدا لا يبرح من عنده دخلت عليه مع شيخنا أبي محمد ( رضي اللّه عنهما ) فقلت يا سيدنا هذا من أصحاب أبي مدين فتبسم الشيخ وقال عجب أمس كان عندنا أبو مدين ( رضي اللّه عنه ) نعم الشيخ وأبو مدين إذ ذاك ببجاية وبينه وبينهما مسيرة خمسة وأربعين يوما فكان كشفا بينهما وكانت هذه الحالة كثيرا تتفق لي مع أبي يعقوب فإن أبا مدين كان قد سكن عن الحركة واحفظ من أخباره ما شاهدته كثيرا تضيق هذه العجالة عنه ، وهكذا كل من أذكره وإنما أذكره ليعلم أن الزمان لا يخلو من الرجال .
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 168
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٨