لها يا نفس ما أنت إلّا اعترضت اعتراض من لا يفري الحقائق ولكنك جهلت المقام فاسمعي الجواب واعلمي أو أويسا هو الإمام الذي لا يلحق لتعلمي أيتها النفس أن العارف إذا كان صاحب حال مثل الحلاج فرق بين نفسه وبين غيره فعامل نفسه بالشدة والقهر والعذاب وعامل نفس غيره بالإيثار والرحمة والشفقة وإذا كان العارف صاحب مقام وتمكين وقوة صارت نفسه عنه أجنبية لا فرق عنده بينها وبين نفوس العالم فما يلزمه في حق نفوس الغير من الرحمة والشفقة يلزمه في حق نفسه لكونها صارت عنه أجنبية وارتفع هو علويا وبقيت هي مع أبناء جنسها سفلية فلزمه العطف عليها كما لزمه العطف على غيرها فإن صاحب الصدقة العارف إذا خرج بصدقته ولقي أول مسكين يدفع إليه الصدقة فإن تركه ومضي إلى مسكين آخر ولم يدفع فقد انتقل من رضى ربه إلى هوى نفسه وخرج من ديوانهم فإنها مثل الرسالة لا يخص بها شخصا أول من يلقاه يقول له قل لا إله إلّا اللّه ولا شك أن هذا العارف إذا وهبه الباري رزقا يعرف أنه مرسول إلى عالم النفوس الحيوانية فينزل من حضرة عقله إلى أرض النفوس ليؤدي إليهم ذلك القدر الذي وجه به فأول نفس تلقاه نفسه لا نفس غيره وسبب ذلك أن نفوس الغير غير ملازمة له ولا متعلقة به لأنها لا تعرفه ونفسه متعلقة به ملازمة لبابه فلا يفتحه إلّا عليها فتطلب أمانتها منه فيقدمها على غيرها لأنها أول سائل وإلى هذا السر أشار الشارع بقوله أبدأ بنفسك ثم بمن تعول والأقربون أولى بالمعروف لتعلقهم بك ولزومهم بابك والغير لا يتعلق بك ولا يلازمك ملازمة نفسك وأهلك فلما تأخروا كما هي الأسرار سواء تخرج من عند الحق على باب الرحمة فأي قلب وجه متعرضا سائلا عند الباب دفع إليه حظه من الأسرار والحكم وحظه منها على قدر ما يرى فيه من التعطش والجوع والذلة والافتقار وهم خاصة اللّه وإلى هذا المقام أشار المشايخ وعليه حرضت الشريعة بقولها تعرضوا لنفحات اللّه ومن تأخر ومن نسي نسي فأنظركم بين المنزلتين
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 146
مساهمون: ابن عربي
ص١٤٦