خير من أولئك وهذا الحديث يا نفس قد أنبأ عن الفريقين اللذين سألتيني عنهما هذا حال عثمان على ظاهره فقير من الدنيا وهذا حال من توسع في الدنيا من العارفين قد جعل اللّه حالة الضيق والشدة خيرا للإنسان من الرخاء والسعة وكأني واللّه يا نفس بك تقولين : أرى أهل هذا المجلس وهم الصحابة الأخيار وهم العارفون باللّه المحققون حقائق الوجود لما ذكرهم النبي ( ص ) صورة الترفه والتنعم اهتزوا وسألوا متى ذلك وفرحوا بهذا القدر فكذلك أنا أيضا أرضى بهذه المنزلة وكذلك العارفون الذين وسعوا على أنفسهم دنياهم فقلت لها ما أعماك عن نور مشكاة النبوة الساطعة أنوارها فقالت لا تنظر إلى كلامها ظاهرا هذا لتعلم أن النعيم لا يحجب عن اللّه ولا الشقاء والبؤس يحجب عن اللّه إذا كان الحق غالبا على قلب العبد فإنه لا نعيم أشد ولا أعظم من نعيم النبيين والأولياء في الجنة في ملابسهم ومآكلهم ومشاربهم ومناكحهم ومراكبهم ومفاكهتهم ولا يحجبهم ذلك عن اللّه البتة لسرين قلت لها فأنا مسلم أن ذلك لا يحجب عن أنه ولكن قال الرسول ( ص ) لتلك الجماعة الذين قالوا وددنا أن ذلك قد كان فأصبحنا الرخاء لتحققهم باللّه تعالى وعلمهم أن الأحوال لا تحجب عن اللّه تعالى فإن ذلك كائن يعني بسط الدنيا عليهم مبشرا بفتح ملك كسرى وقيصر ثم قال لهم أنتم اليوم خير من أولئك فأشار بقوله وأنتم لعصمتهم من الدنيا وأن فتحت في حياتهم كأبي عبيدة بن الجراح وغيره وفي ذلك ترجيح الفقر وشظف العيش على النعيم فبين لهم هذا المقام ونبههم على نقص ذلك المقام ونقص من اتصف به وإن بقيت عليه مشاهدته ومعرفته فإنه نعيم استعجله في غير موطنه وطرفه استعمله في غير موضعه فوضع الحكمة في غير موضعها فعادت معرفته جهلا وكشفه حجابا وحقيقته خيالا ألم ترى إلى الذي قال لو كشف الحجاب ما ازددت يقينا لعظيم الكشف وهذا عمر بن الخطاب ( رضي اللّه عنه ) كيف أجتنب طيب الطعام وفهم من كلام اللّه تعالى :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ