التوبيخ من قلّة الصدق في العمل وعدم الإخلاص ودخول العلل في المخاطبات والخواطر والنصيحة والإرشادات فصار مقته لنفسه أشد من مقته للناس ولا يقدر ينفصل عن نفسه ولا تنفصل عنه مثل الناس فيفتح له في ذلك من الفقه الإلهي والعلم اللدني مالا يعرفه إلّا من شاهد ، وحسبك يا نفس فقد أطلت على سؤالك فاقنعي بهذا القدر فإن هذه المسألة أعظم وأقوى من أن أبسط شرحها في المجلدات فقالت قنعت وباللّه استغنيت فهات غيره فقد عرفت وتحققت أني لا شيء ولا أصلح لشيء وأنّي في وجودي وفي عيني كما كنت قبل وجودي و
قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
و
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
وفي الحقيقة لم يزل كذلك ولا يزال قلت لها نعم هذا عثمان بن مظعون صاحب رسول اللّه ( ص ) الذي أوذي في اللّه فرضي وتعرض لذلك : لما مات دخل عليه رسول اللّه ( ص ) حين مات فأكب عليه ثم رفع رأسه ثم حنى الثانية ثم رفع رأسه ثم حنى الثالثة ثم رفع رأسه وله شهيق فعرفوا أنه يبكي فبكى القوم فقال : أذهب عنها أبا السائب فقد خرجت منها ولم تدنس منها بشيء . روينا هذا من حديث أبي حامد بن جبلة بسنده إلى ابن عباس ( رضي اللّه عنهما ) ورويناه أيضا من حديث أبي بكر بن مالك بسنده عن عبد ربه بن سعيد المدائني أن رسول اللّه ( ص ) دخل على عثمان بن مظعون وهو في الموت فأكب عليه يقبله فقال رحمك اللّه يا عثمان ما أصبت من الدنيا ولا أثابت منك . ناشدتك اللّه يا نفس فنعمت النفس عهدتك في الإنصاف من نفسك خبريني لو كنت في زمان النبي ( ص ) على هذه الحالة التي أنت عليها اليوم وتموتين هل كان رسول اللّه ( ص ) يفعل بك مثل هذا قالت أما لو جازاني على ما أنا فيه وعليه لخفت أن يقول لأصحابه صلّوا على صاحبكم بل أعتقد واللّه في شأني أني أقرب إلى قوله تعالى :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ
مني إلى قوله تعالى :
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ