العارفين مطلقا يحكم على مقام أهل السماع أنهم أهل الكدية واستعاذ باللّه منه كما استعاذ من طي الأرض والمشي على الماء وفي الهوى وسأل أن يهيئه اللّه لشيء من أشيائه أي سر من أسراره ، فلو تبدلت هذه الأسرار في السماع لما استفاد منه مثل أبي يزيد وقال في حق المريد إذا رأيت المريد يميل إلى السماع فاعلم أن فيه بقية البطالة فجعل محله للمريدين البطالة وللرجال الكدية ، وإنما سقت كلام أبي يزيد ( رضي اللّه عنه ) لما وصلني عن بعض الناس من المقلدين في بعض الطريقة أنه قال لما سمع مني الإنكار في السماع وقد أوضحت له حقيقته حتى اعترف بها فقال تقليد بتقليد والأولى أن أقلد الشيوخ المتقدمين الذين قالوا بالسماع ، ولهذا سقنا كلام أبي يزيد لكونه من المتقدمين وأن كلامنا موافق له ولقد بلغني من ثقة عن رجل من المتمشيخين لا من الشيوخ كان يلازم مجلسنا فسمعنا نتكلم في السماع واجازته وأنه مباح وبينا نقصه في المقامات واين ينتهي بصاحبه فغضب وانقطع فسألت عنه وما شأنه فقيل إنه قال قد كان الشيوخ يسمعون مثل ابن الدقاق وغيره فلم أدر قبل مم أتعجب من جهله في حكمه على الحق بالرجال والرجال لا يعرفون إلّا بالحق لا الحق يعرف بهم فهذا جهل محض وتقليد صرف ومن هذه حالته في العلم كيف يرجى فلاحه في نفسه أو كيف يتصور أن يفلح به غيره أو أتعجب أيضا من عدم تحصيله لما أوردناه في السماع فإنا لم نحرمه بل أبحنا الشعر والغناء على القدر الذي جاءت به الشريعة ثم تكلمنا في نقصه من المقامات وأين منزلته والفرق بينه وبين غيره كما نفرق بين التوكل والزهد أي الذي ينبني على معرفة التوكل ما هو والزهد ومقامه وأن المتصف بصفة ما يكون بحيث مقامها ويتميز في أهلها وقد سمعت من أبي محمد عبد العزيز المكتوب له هذه الرسالة ( رضي اللّه عنه ) إشارة عجيبة لا يعرفها إلّا متمكن متحقق جدا في قوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
فقال