الحقائق لابد أن تنزل عليه فيه وهو منزل صعب لأنه معتبر ليس مطلوبا لنفسه وانما هو مطلوب لما قصب له ولا يعبره الا رجل ولهذا سمى تأويل الرؤيا عبارة لان المفسر يعبر منها إلى ما جاءت له كما عبر النبي صلى اللّه عليه وسلم من القيد إلى الثبات في الدين ومن اللبن إلى العلم .
فإذا وصل وجد فلو عبر الخليل عليه السلام من ابنه إلى الكبش لرأى الفداء قبل حصوله وكان يمتثل الامر فارغ القلب لمعرفته بالمآل ولكن ظلمة الطلب والسؤال من ربه غير ربه منعه من العبور لان الظلمة يتعذر العبور فيها لأنه لا يدرى اين يضع قدمه ولم تكن أيضا تحصل له تلك اللذة التي حصلت له ولا ذاك الامتنان الإلهي المشهود وكان الفداء بالحمل الذي هو بيت شرف الوسط وروح العالم لأنه اشرف البيوت فكان بدلا من جسده لامن روحه لاشتراكهما في النسبة فان الذبح لا يقع الا في الجسم والهدم والخراب لا يقع الا في البيوت .
فإذا سافر الانسان في عالم خياله جازه إلى عالم الحقائق فرأى الأشياء على ما هي عليه وحصل له الوهب المطلق الذي لا يتقيد بكسب وصار يأكل من فوقه بعد ما كان يأكل من تحت رجله ولما كان الوهب يبقيك بخلاف المشاهدة كان سحقا ولم يكن محقا فان المسحوق مفرق الاجزاء فهو ابعد من حال المحق ولولا ما علق السؤال أولا بقوله
( هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ )
لكانت البشرى