تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
ولا نسيم وصل يهبّ ، وهذا كله ليس منك فأنسبك إلى الظلم والجور ، فنعوذ باللّه من الحور بعد الكور ، وإنما هو منّي لمخالفتي أمرك ، ونظري إلى غيرك ، فجهلت عيبي ، فما استغفرت من ذنبي ، وأنت تستدرجني من حيث لا أعلم ، وتمزج لي العسل بالسّمّ ، فأحسب أني المقرّب المشهود ، وأنا الطريد المبعود ، وأتخيّل أني الموصول ، وأنا بسهم الهجر مقتول ، هجرت اسمي بكنيتي ، فتخيّلت أن ذلك لمكنتي ، فقلت لي يا سيدي وأنا العبد ، وتمثلت بين يديّ وكان ذلك عن الطرد ، وبيّضت جهي حين توجتني ، ولم أدر أن ذلك البياض سواد ، إذ كنت قد استدرجتني وكلما رمت أن أنصح نفسي لم تقبل النصح وتقول : ما أسوأ ظنك . ألست تدري أن ذكر الجفا في موطن الصفا جفا ، أليست هذه كراماته عليه مترادفة ، ومطالعاته عليك متضاعفة ، فإذا قامت عليّ بهذه البراهين الساطعة ، والأدلة القاطعة ، انخدعت لبرهانها ، ومرحت في ميدانها ، ولم أنظر إلى شر المذهب ، وسوء المنقلب ، إذا بلغت النفس التراق ، وقيل من راق ، والتفّت الساق بالساق . وزلزلت أرض الجسوم زلزالها ، وبان للنفس ما عليها وما لها ، وزلت بها القدم ، حينئذ تندم ولا ينفعها الندم ، يا نفس لا يغرنّك هذا البلد الأمين ، ولا كمدك الذي لا يبين ، واطلبي مشربا آخر عذب العاقبة معصوبا من السهام الصائبة ، والحظ ملاحظة حكيم ، في ربّ منعم عظيم ، أليس من أعطاك مما وهب فقد صيّرك قربته ، أليس من أطلعك على سره فقد أهّلك لمؤانسته ، أليس من اختصك بالاطلاع على حرمه فقد ارتضاك إلى مسامرته . يا روحي ليس الأمر كما بدا ، وقد تأتي الضلالة في صورة الهدى ، الحق وراء ذلك كله ومعه ، كالشخص مع ظله فلن يدعه . أين من يتطاول إليه بهمه ، أين من يقصده لقوّة عزمه ؟ أين من يريد الظفر بمنيته ؟ أين من يطلب الوصول إلى بغيته ، هذه الأعلام مرفوعة ، والآيات منصوبة موضوعة ، والنبأ صحيح ، والنبيّ بما قاله فصيح ، آه لظاهر صاحبه العيب ، ولباطن حشره ريب ، وعين نوامة معروفة بالأحلام ، وقلب ملتذ بعوافي الآلام ، ونفس متبعة عند الأغراض ، وهوى يلجأ إليه لرفع مرض الحاجات ، وقساوة نيطت بالفؤاد ، فألفها الجفا ، ودين هجر بعادة سوء استمرت فدرس رسمه وعفا ، وإصرار ثابت غابت عنه أعلام الشفا ، وعلم رفيع شابه البلا ، فطوبى لمن ناح على فائته وبكى ، ولازم باب من سيرده عليه فحن وشكا . هذا أوان شق الجيوب ، وضرب الخدود ، وإقامة المآتم والمنائح ، فهذا هو الرزء الفادح .