يا كعبة الحسن : أما تراني أدير لك الدور على الدور ، وأعطف لك الكور على الكور ، وأرفع عنك الستر بعد الستر ، وأكشف لك السرّ بعد السر ، وأوضح لك الرمز بعد الرمز ، وأنتقل لك من صفة إلى صفة . فعلي معك فعل ربي معي ، وأنا لا أسمع ، فإذا سمعت فلا أعي ، اشتد وجعي لما دخل عليّ المتكلم والسامع يختصمان ، وكلاهما يشكوان صدق الوجد ويعلنان ، وقد احتاط السامع واسترسل القائل فذكر المنع والعطا ، فسألاني الحكم بينهما على السوا ، فأبرزت السلو ، قد اعرورى ظهر الغدر وامتطاه ، وأبرزت الشوق فجال في ميدان الذل ، ومدّ خطاه ، فتنزه السلو ، وتدنس الشوق ، وذلت حقيقة الصمت تحت سلطان النطق ، وأمرت حاكم الشريعة والحقيقة فقاما بينهما مسدّدين حكمين عدلين . فكانت الحقيقة الأول والآخر وكانت الشريعة الوسط فتميز الباطن من الظاهر ، وعرف اليقين بالريب ، والشهود بالغيب ، فحكما بالفناء والبقاء في الفريقين ونصبا لهما العلم والعمل طريقين ، فسلكا عليهما علما ووهما ويقظة ونوما . فتأمّل عافاك اللّه حكمة قد رفعت عنك حجابها ، ومددت لك أسبابها ، وأقمت لك أعلامها ، فابحث عليها فيها ، وانظر معانيها في مغانيها ، فإن الغريب إنما يطلب في الغربة ، فإن شددت على نفسك مئزر الحذر ، وأمعنت فيما أورده عليك صحيح النظر ، كنت المحرر من رق الكون ، والمثبوت في مشاهدة العين ، وجبرت كسرا ، ويسّرت ما كان عسرا ، لا زالت قطوف الوصال دانية وجنّات الألفة عالية ، ولا أذكرنا الأيام الخالية ، فإنها الحسرة الباقية .
والسلام المعاد عليك ورحمة اللّه وبركاته .
8 - الرسالة الوجودية توسّل بها عبد القادر إليها ونزل بها عليها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
من عبد القادر محمد بن علي إلى كعبة الحسن وروضة المزن . سلام عليك ورحمة اللّه وبركاته .
أمّا بعد .
فإني أحمد إليك اللّه الذي ألهم وعلّم ما لم أكن به عليما ، وأصلّي على من أوتي جوامع الكلم وأسلّم تسليما . أمّا بعد :
فإن العلم أشرف موهوب ، وأجلّ مطلوب ، وأعظم مصحوب ، وإن كان شرفه بشرف معلومه ، ورونقه البديع في حسن تفهيمه .