يا كعبة الحسن : للفرج ، وبقيت معطلة العشار فأدركها الحرج ، وقالت : عرفت من أين ذهبت ، وعلمت من حيث أوتيت ، ما هو إلّا ذلك الدّعي في حبّي ، والشهي في قربي ، آثر البهار على النرجس ، وغاب عن صحيفة المتلمس . أما عرف كيدي ، أما تحقق أنه صيدي ، متى وقع السراح ، متى ملك المفتاح . ألم يعلم بأني العراقية الحجازية ، والحقيقة المجازية ، لئن وقعت عيني عليه ، لا جعلته مثلا في السائرين ومثلة للناظرين ، وخبرا للمسافرين .
هيهات اغتر بجنابي وعطفي ، وانخدع بإحساني ولطفي ما علم أن البطش شديد ، ما تحقق أنه في لبس من خلق جديد ، فقلت للرسول : وقد ورد على آخر الفصول . ما هلك امرؤ عرف قدره . سلّم عليها ، وبلّغ ما أرسلك به إليها .
يا كعبة الحسن : بي عزّ وجودك ، وبأخذي ظهر جودك ، أنشأت ذاتك بيدي ، وأوصيت بك ولدي ، وتغربت إليك من بلدي ، وجعلتك سلطانة ، عليّ أخدم بابك ، وألزم ركابك ، وأقبّل كل يوم يمينك . وأنت الثلث الآخر من الليل لتنزلي ، وأنت الشوق الجناني لتشكلي في الصور وتحوّلي ، غبت عن كونك محلا .
يا محل التحجير والمنع ، يا حضرة القدوم والرفع ، عزّ عليّ حيدك عن المعرفة ، وجهلك بالنكتة المعرفة . أين حجري من حجرك . أين يميني من يمينك ، أين مقامي من مقامك . يا نشأة جماد قامت على مهاد .
أغرّك مني أن حبّك قاتلي * وأنك مهما تأمري القلب يفعل « 1 »
بعثت إليك بكتاب فناء واتحاد ، وحديث طيب غير معاد فلم تطيبي به نفسا ، ولا رفعت به رأسا ، ما ناديت أذنا صماء ، ولا أبرزت رقوما لمقلة عمياء ، ما رأيت لهذه الواقعة الشنعاء ، سوى إظهار الأختين بالطائف وبإقليم صنعاء ، وليس ذلك عن كفر بعد إيمان ، ولا عن شبهة بعد برهان ، ولكن معاملة بسريان المعبود في الوجود ، وتصديق كلامه :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] لنفي الجحود .
وهنا بهذه الإشارة انتهت الرسالة .
والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته .
هامش
( 1 ) هذا هو البيت رقم عشرين من معلقة امرؤ القيس التي مطلعها :قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحوملوهي من البحر الطويل .