أما علمت يا كعبة الحسن بأن المحبة المفرطة إذا مدّها البثّ ، والبث إذا صاحبه التّوقان ، والتوقان إذا خالطه الهيمان ، والهيمان إذا مازجه الارتياع ، والارتياع إذا طمع فخانته الأطماع يذوب لها الفؤاد ، ويذهب لها السواد ويتصدع لها الجماد ، وتنفطر لها السبع الشداد .
والمحبة على قدر المحبوب ، والطلب على قدر المطلوب وأيّ محبوب يا كعبة الحسن يعادلك ، وأي مطلوب يا قرة العين يماثلك . بلواك أعظم من أن تحمل ، وداؤك أعضل من أن يؤسى ، ذهبت منك بداهية دهياء ، وغارت عليّ منك كتيبة خرساء ، فسبت الحريم ، وقتلت النديم ، وفرقت الحميم من الحميم ، وأذهبت النعيم ، وأضرمت نار الجحيم ، ولساني عليك في هذا كله بالشكر ناطق ، وبالثناء موافق ، وكيف لا أشكر وهذا كان مرادك ، وكيف لا أثني وهؤلاء هم أجنادك ، ومن أنا وما خطري حتى تصرف همتك إليّ ، وتنزل بأجناد بلائك عليّ ، فتذيب العظم والشحم ، وتذهب الدم واللحم ، وتفني المهجة التي قد هيّمت في حسنك ، وتذبل الروضة التي قد أينعت بعيون مزنك ، واللّه ما تعرضت لهذه البلية ، ولا تطاولت حلول هذه الرزيّة ، فاجزع من مضاضة فراقك ، واجرع كؤوس مرارة أشواقك ، ولكنه كان عن أمرك فبادرت امتثاله ، وأقبل به رسولك عن مسرة منك فسررت لسرورك بإقباله ، وقال نفذ الأمر المطاع ، من الأمر الذي لا يستطاع ، بالرحلة عن هذه البقاع ، إلى الشعاب الموحشة واليفاع ، فتجردنا في حندس الليل الدّاج ، وأسرعنا في الإدلاج ، فما قاربت الغزالة الزوال ، إلّا والحال قد داخله الاعتدال ، والجسم قد خالطه الانسلال ، والعقل قد مازجه الخبال ، ردّ اللّه عليّ شباب تلك الأيام والليال ، وأقر عيني بالتنزّه في محاسن ذلك الجمال ، يا طول حزني على الفوت ، ويا شرّ حياتي إن لم أرك قبل الموت . طال واللّه ما كنت فيك محسودا ، ومن أجلك مقصودا ، واليوم فقد ألحفت بالحاسدين ، وحرمت السير مع القاصدين . أخبرني رسول الوداد الذي بيني وبينك أنك عنّي سالية ، وديارك من محبتي خالية ، على عروشها خاوية ، لا أحضر لك في جنان ، ولا أخطر لك في لسان ، ولا أتمثّل لك في خيال ، ولا أجري لك على بال ، وقد علمت يا قرّة العين أني قد قطعت المألوفات ، وتركت المستحسنات ، وقصدتك من دون العالم أجمع ، وخيّمت بفنائك لأخصب وأربع ، ورغبت في سلم الأعداء رغبة في جوارك ، وأعطيت الرشوة الرقباء ليسمحوا لي في دنوّ مزارك . وأنت تأنف عن ذكري ، وتتوقف عن ملاحظة سرّي ، كان نعيمي بك طيّبا فكدّرته ، وكان سربك مطلقا فأسرته ، فقلت هذا كله لإيثاري إياك على كل مصحوب ، وتقديمي إيّاك على كل
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 211
مساهمون: ابن عربي
ص٢١١