فالشرف بالضدّ معروف ، وبالنسبة إلى النقيض موصوف . فأشرف العلوم مرتبة ، وأعظم المعارف منزلة معرفة النفس والرب ، فإنها تؤدي إلى القرب ، لحقيقة الصورة والمثل ، المتعالي عن الشكل ، ولكن إعلام وإبهام .
يا كعبة الحسن : معناك ربّاني ، وسرّك سرياني ، فاسمع الرمز السرياني ألفك نازلة إليك ، وميمك نازلة منك عليك ، وأنت بينهما تأخذين وتعطين ، فهل تصيبين أو تخطئين ، فمن تلقى منك كما تلقيت كان ممن قابل البيت بالبيت . ما أشرفك يا واسطة العقد . ما أكرمك يا خاتمة العقد .
آه يا كعبة الحسن : واحرّ قلباه ، وا ثكلاه . وهبت العالم الطريق إليك ، فباعوك بالإعراض عنك . ليس الشقي كل الشقي من زلّت قدمه عن الطريق ، فإنه قد كان فيه فزلّ وإنما الشقي كل الشقي من ضلّ عن الطريق ابتداء ولم يزل .
يا كعبة الحسن : إذا أشرقت الآفاق بالنور اللامع ، وصلصلت الألحان للسامع ، طلبت الأرواح المعراج ، وهبّت بالانزعاج ، فزلزلت الهياكل الأرضية وتداخلت الحركات العلوية .
يا كعبة الحسن : أنت الأولى فأين ثانيك ، انظري إليه فإنه في مبانيك ، ومدرج في معانيك ، إذا انفعل عنك وظهر عينه ، ولاح لعينك بينك وبينه ، فأفيضي عليه من أنوار غيب ذاتك ، ونزّهيه في جمال سبحاتك ، فستلوح بين فيضك وقبوله أنوار الأشكال والأمثال فتلك الأعراس الإلهية المستورة في الجلال .
يا كعبة الحسن : احذري النار المركبة على هذا المركب .
يا كعبة الحسن : حلّ الرمز ، فقد جاءت دولة العزّ . فلا يقوم تركيب إلّا بحلّ تركيب ، انظري في سرّه ، لمّا ذبحت البقرة قام الميت بحياتها من قبره .
يا كعبة الحسن : الإعلام قبل الإلهام ، وردّ الرسول من جنابك برقعة من غدا في إهابك . فقلت : يا للعجب ! ركن مخلّق وإهاب ممزّق . حالة متناقضة الإحكام فقال الرسول لا تفعل هو إعلام ، بأوان الإحرام ، فتذكرت الشيبي في قصة ، وجاءني الأمر من قصه فسأله عن الحال المعلوم ، وما بقي من محاسن الرسوم ، فقال : إن الزهو قد شمل الشمائل ، وإن السعدان عشب الخمائل ، مرت الخميلة وزهرها ، ومارت السماء وزهرها ، فقلت : لعل تجلى مكان الخشوع ، أو عساها بارقة لموع ؟ ! فقال : لا والحب إلّا أن ورود الربيع أزهر ، وليل السرور أقمر . فخرج الطائعون .
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 215
مساهمون: ابن عربي
ص٢١٥