كما قال المهيمن العلام :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 )
[ يس : 69 ، 70 ] . كيف تصفو الأسرار والإنسان على قدم الغرور ؟ ! كيف تطرح العلالات وقد جهل المصير ؟ ! كيف يواصل من يهواه من لم يعر عن هواه ؟ ! عجبا ممّن يستلذ عافية باطنها بلاء ! أو يتنعم براحة غايتها عناء !
عذب العذاب ولا عتاب العتبى ، ووصل الوقت ولا القرب في العقبى ، هذا حظ أصحاب العاجلة ، اللاهية قلوبهم عن الآجلة ، اختطفتهم عن طريق الهدى أغراضهم ، وتوالت عليهم شكوكهم وأمراضهم ، فبؤس عليهم لا يرتفع ، وروح متوجه نحو الموعظة لا ينتفع ، ومعشوق إن راح لم يرح خياله ، ومحبوب إن ذهب لم يذهب مثاله . فالصبابة به أبدا مقلقلة ، وزفرة وجده في ضلوعه محرقة ، ولا بد من الدهر أن يبدي حكمه ، ويظهر علمه ، فشت وجمع وجبر وصدع ، وأمل مشتبه انتظر وطمع تحرك فاستنظر ، فإمّا بالرجاء وإمّا باليأس ، وكلاهما شديد على النفس . إذا جاد الواهب الوصول على الكبد المحرقة بنار الهوى بنسيم المنح ، انزعجت النفوس وظهر عليها الترح ، وإذا تسعر لهيب الطمع بريح الحدس ، همدت من المحقق بيقين الهمس ، وإذا جاء الخطاب باليسرى ، فلا تغتر ففي طيّه العسرى ، فإن هذه الدار الدنيا مشوبة إلّا ريّ بالشرى مبطونة الحرب في السلم ، هي نشأة الأمشاج ، ودار الامتزاج ، فكيف يتخلص فيها خطاب ، أو كيف يظهر فيها جواب ، لو ظهر لكل عين لما كذّبت الرسل ، ولو لاح لكل بصيرة لما اختلفت السّبل ، فلا يصفو فيها حبّ عن اعتلال ، ولا صحة عن إخلال ، ولا وجد عن فقد ، ولا صحبة عن ملل ، ولا مساعدة عن معاندة ، ولا جهد عن فتور ، ولا حق عن زور ، ولا رجاء عن قنوط ، ولا طلوع عن هبوط ، آه لعيون قد جمدت ، وخواطر قد سكنت ، ومحاسن قد سمجت ، وسماحة قد عبست ، وعزّة قد ذلّت ، وحديث أفسده التكرار ، « ويل للشجيّ من الخليّ » ، ويا ذلّة الفقير جانب عزّة الغني ، ما للوجد يجرعني كأسه ، ما له تحرقني أنفاسه ، ولا معين أعوّل عليه ، ولا ركن آوي إليه ، لعله يهيّىء أسبابا ، ويفتح أبوابا ، أو يذلل صعبا ، أو يفرّج كربا ، أو يبدي أمرا ، أو يظهر عذرا . طالت صحبتي لهذه البلايا ، وعظمت محنتي بهذه الرزايا ، فتاي يؤمن بي ولا يسلم ، فإن وافقته في غرضه أعرض عني ومضى ولم يسلم وهو معي يدا بيد ، أنكر عليّ مسألة العدم ، وقام إلى صكّ وجهي بالقدم ، وما ارعوى عن ذلك ولا ندم ، وقال هي مسألة معقولة فلا أسلم ، وهكذا أكثر من يدّعي في كمال العلم ، وصحّة الحكم ، لا يقبل إلّا ما يعطيه فهمه ، وما يبلغه