علمه ، فهو مع نفسه لم يبرح ، وعن موطنه لم ينزح ، وهل التسليم والاستسلام إلّا فيما تمجه النفوس ، ويكاد يرده المحسوس ، ولو كان به عليما :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 )
[ النساء : 65 ] .
تاللّه ما غبت بوجهي إلّا لما ترادف عليّ من الغير ، وأحاطت بي من الفكر ، أولياء في جلود الأفاعي ، وأعداء في صور الأحباء ، ما ينفعني صحيح عقدهم فيّ إذا قابلوني بالمكروه ، ما عسى يبلغ مني ما أعرفه من احترامهم ، إذا قالوا في مسألة أوردها عليهم فتقصر أفهام بعضهم ، عن إدراكها ، لا يعتقد هذا معتوه ، أين هنا الاحترام وقد ألحقوني بالحمقى ؟ أين هنا الصدق وقد وعدوني بالفراق ، وأسكنوني البلقاء ، إن لم آتهم بطائر فأقول لهم هذه العنقاء فيصدّقوني ، وإلّا فلا يقربوني . أنبيّ أنا فيجب عليّ تعليمهم ، أرسول أنا فيفترض عليّ تفهيمهم ، من حسّن الظن بي صدق فانتفع ، وإن كنت كاذبا . ومن أساء الظن بي فليشمّر ثوبه ، وليولّ عني هاربا ، حذرا أن تحرقه ناري ، ويذهبه أواري .
يا كعبة الحسن : إذا نوّر اللّه بصيرتك ، وأراك السلامة في رأيك فأخبرني حتى أثبت نفسي في ديوان الشاكرين ، وأقعد في مجلس الذاكرين ، وأثني عليك في محافل المتناظرين فسروري بما يفتح عليك ، وفرحي إنما هو بما ينزل من ربّك إليك فتعرض للنفحات ، وتهيّأ للسبحات . وأنا أتضرع وأسأل ، وأرغب وأؤمل أن يوطئ لك أكنافه ، ويمنحك ألطافه ، ويطلعك على ودائع القلوب ، ويسري بك في سماوات الغيوب ، حتى تبلغ المنى في حضرة « أو أدنى » فتكون صاحب تدل وتلق ، فإذا نزلت عن الاستواء ، وأخبرتني بخلوص الولاء ، وصدق الوفاء ، وحسن المعاملة على الصفاء . حينئذ أسرّ بك فإنك تعرف في ذلك الوقت على الكشف كيف صافيتك ، وبأي صفة وافيتك ، وتعثر على حركتي معك التي أنكرتها ، وسكنتي عنك التي كفرتها ، وتبدل الكفر بالشكر ، ويقتل نبيّ العرفان دجّال النكر ، وتكون عيسوية الظهور مكتنفة بالنور ، صائمة عن المحظور ، موفاة من كل محذور . سهّل اللّه لنا ما تصعّب من جنابك ، وسرّنا بجميل إيابك ، وأظفرنا بطاغية نفسك ، وأسكنك حضرة قدسك ، ونزهك في حظيرة فردوسك ، وجلّلك بغلائل أنسك . بعزّته لا ربّ غيره ، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته .