تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
روضة شرعه نابت والروح تواقة إلى الاتصال ، والجوارح مستمرة على الأعمال ، والوجود متطلع إليها بالمغفرة ، ووجدها تسعى له بالإحسان والتذكرة ، والحرارة في الكبد تمدها الصبابة فيعلو حنينها ، والحياة لم تبق منها إلّا صبابة ، حتى ما يكاد يسمع أنينها ، والمضمار قد ضمرت له العتاق ، وقد دخلت معهم في السباق ، لما رفعت لها الأعلام ، وأيقنت بذهاب الأيام ، فحرت في الانسلاخ منها ، والنزوح عنها ، وهذا سباق لا يصبر عليه إلّا رحب اللباب ، واسع النفس خفيف الحاذ ، أشم القذال كبير الهمة ، سريع الانتهاض ، زاهد في الخلوة الخضرة راغب في الدار الآخرة . فبعدما سرد هذا الخبر ، ونظمت هذه الدرر ، قلت قد أبلغت الرسل ، ومهدت السبل ، وأبلغ في الأعذار رسول الإنذار ، ونصبت الدلالات والعلامات ، وأظهرت الآيات والكرامات ، بما ظهر عليّ من النعم الجسيمة ، وأسبغ عليّ من ألطافه العميمة الوارفة الظلال ، النيّرة الليال . هذا قد جمع لك بين الحسنيين وأعطاك لذة النظرتين ، ومنحك سر الشهوتين ، وأبرز لعينك ما سطرته الأقلام في الألواح ، وأفادته الأجسام للأرواح ، فاشكر فبالشكر تزيد النعم ، وبه ترزأ النقم ، هذا سرّ الحدث والقدم ، قد شهد بعرفانه القدم . وتحققت حقيقة الوجود من العدم ، وتبين لك أن الوجود هو الخير الخالص الغضّ ، وأن العدم هو الشر المحض . وكل شر موجود فمشوب بالخير معقود ، أيّ بلاء أعظم من فناء العين ، أي شرّ أشد من عدم الكون ، ما دام لك في الوجود رسم ، وظهر لك فيه اسم ، فقد أخذت بحظ وافر من الخير ، وقد أدرىء عنك ما في مقابلته من الضير فإنك لا تعرف قدر الشيء إلّا بضدّه ، كما لا تعرف مضاضة وعيده إلّا بلذاذة وعده . فالعالم كله في نعيم ، من كان منه في الجنة ومن كان منه في الجحيم ، نعيما علميا ، وسرورا عقليا لا حسّيّا ، ودع عنك بعد معرفة هذه الحقائق ما تحمله النفوس من نضج الجلود بين أطباق السعير ، واستصراخهم لذلك بالويل والثبور ، فقد حمله السعداء في العدوة الدنيا ، وقاسوا منه أعظم بلوى . هذا حظ النفوس والجسوم ، فأين حظ المعارف والجسوم . نحن ما تكلمنا في الإحساس ، وإنما تكلمنا في رفع الالتباس ، بصحيح القياس ، هذا خطيب النعم قد وقف على أعواده ، في محضر إشهاده معتمدا على عصاه ، محرشا على من عصاه . انظر كيف يدل على مواقعها في أوان الاضطرار ، وكيف يريك لذاذتها إذا جاءت على حكم الاختيار ليست الموعظة من الشعر فترمز ، ولا من الخطابة فتلغز ، وإنما هي من النعم المبسوطة على الدوام ، على ممر الليالي والأيام .
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 207 | ابن عربي / عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى