وفي معرفة اختلاف اللغات ، دليل على عموم المخاطبات ، فما من رسول إلّا وأرسل بلسان قومه . إلّا من أوتي جوامع الكلم من يومه ، وأخذها وارثه في نومه .
ومعرفتها على الإبهام داء عضال ، وهي مسألة فيها عظيم إشكال ، كلما قيل لك في لغة هذا ليس لك ، فانظر اللغة الأخرى تقول هو لك ، فإن لم تعرف موارد اللغات ، بقيت للحيرة في سكرات ، وخضت في بحار الغمرات ، وأحرقتك السبحات ، وأدّاك إلى ما أرداك وعرج بك عن سبيل هداك ، واحذر من اللّه الاستدراج ولا تقل : وأي منزلة فوق التاج . هو حدّ الاستواء ، فوق العرش والسماء ، ما أسرع ما يصير للأفراس نعالا ، وللرحى ثقالا ، فعليك بالذوبان في رضى الرحمان ، فعن قريب تنحل من عالم التلفيق ، وتلحق بالمنظر الأنيق ، الذي هو تحفة الواصلين ، وغاية الطالبين ، وأنس المستوحشين وأمن الخائفين ، وراحة المجتهدين ، ورحمة المغتنمين ، ومنية القاصدين ، وسر العارفين ، وعلم العالمين ، وعلم المتسابقين وحكمة الحكماء الفاصلين .
ولكن يعزّ واللّه اختراق واحتراق ، وتجرع السموم القاتلة ، ومعانقة الرزايا الشاملة ، والتجافي عن الفرش المرفوعة ، والزهد في المنازل الرفيعة ، والمسابقة في الأعمال ، والمسارعة إلى مرضاة الحق ، الذي تنقطع دونها رقاب الأجناد من الرجال ، وبذل الذخائر النفيسة ، وزوال رياسة هذه النفس الرئيسة ، حينئذ ينال ما ذكرناه ، وتنعم بما سطرناه .
نعم يا كعبة الحسن : نفسي الفداء لسر يفهم ما أقول ، ويعلم ما أورده من حقائق الوصول . واحرّ قلباه من وجد متلف ، ومعنى جليل مشرف . وا أسفاه على ما لطف من الحال ، وا شوقاه إلى ما رقّ من الخيال . هل من عارف طريف يفهم إشاراتي ؟ ! هل من واصل عفيف أطلعه على ما وراء ستاراتي ؟ ! هل من ذكيّ ذي همّة شريف أجعل بين يديه عباراتي ؟ !
راح القطّان ، وخلت الأوطان ، فلا نادب ولا مندوب ، ولا طالب ولا مطلوب ، هلكت الإضافات ، وبقيت الخرافات . فيها ماج الناس ، وبها عظم الوسواس . فهذا زمان التعوذ واتخاذ التمائم ، وأوان الرقى واستعمال العزائم . فإن الرديء قد طمّ ، وبلاءه قد عمّ ، اللهم لا نملك ضرا ولا نفعا ، ولا قوّة ولا جمعا ، أنكر علينا الأخبار عنك والإشارة إليك ، وحسدنا على ما وهبتنا من الحكم ، وأسبغت علينا من النعم ، وأرجوك دافعا ومعينا ، وظهيرا ولا أرجو سواك . فأنت مالك الأملاك .
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 205
مساهمون: ابن عربي
ص٢٠٥