تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
عن عيوب الناس ) ، فلا تكن بالناسي ، هبك شقيت أنا على زعمك ما تحصل لك من شفائي ، هبك تعنيت ماذا في يديك من عنائي . ألم تعلم أن كل إنسان مسؤول عن نفسه دون أبناء جنسه ، قد واللّه كشف البال ، وكذبت الآمال ، وقل الصديق وتعذر الصديق ، وذهبت السيئات بالحسنات ، والمخالفات بالموافقات ، والطبع بالشرع ، والقواصم بالعواصم ، والدواهي بالنواهي ، فلا فاهية تزيل داهية ، ولا عاصمة ترفع قاصمة ، ولا شرع يذهب طبعا ، ولا حسنة تمحو سيئة . تضاعفت البلوى بحمل هذا العبء ، واستترت الشكوى بدوام هذا الخبء ، حمل فادح على القريب والنازح ، ولا معين ولا معين ، ولا صافي ولا مصافي ، ولا من يريد تخليصي وإنصافي . يا كعبة الحسن : أورث وسواسك الوسواس ، وعمّ بلاؤك جميع الناس . بيوت تنهب ، وقلوب تلهب ، ونار تضرم ، وأنفال تقسم ، وداهية دهيا ، ولجة عميا . كالساعة بل أدهى وأمرّ
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ
[ النحل : 77 ] وهذا نحس دائم مستمر . يا كعبة الحسن : فدتك نفسي من كل مكروه ، وأنّى لنفسي أن تفاديك ، اسمع خطابي وردّ على جوابي ، وما قنعت مني إذ رميتني عني فأنا أشكو مني إليّ بيني ، وأتردد فيما بيني وبيني . يا أنا لم بخلت عليّ ألم أكن لي حديقة لما جلت ، وملعب أنس لما زلت . لا جرم أن ما أدعو إليّ ليس لي دعوة في أمر ، ولكني منّي تحت ستر ، وجدي إنما هو عليّ ، وعشقي إنما هو فيّ ، وولهي إنما هو بي ، ففي أهلك ، ولي أملك ، فأنا المحب والمحبوب ، وأنا الطالب والمطلوب ، وأنا العاشق والمعشوق ، وأنا طالب الحق الذي توجهت على الحقوق ، فانصفني يا أنا مني ، فقد ترجمت لي عني . تقدّست هذه المطالبة عن البينونة ، وجلّت عن الكينونة ، لما فيها من الاتحاد في أصل الإيجاد ألا وإن الموجد المحقق إذا عرج في معارج الحقائق وحصل ضربا من مكاشفات اتحاد الرقائق والدقائق ، وصحا بعد ما سكر ، ونشر بعد ما قبر . لا بد من ملازمة الأدب ، وتباين الرتب ، ومعرفة النسب ، والوقوف عند العلة والسبب ، فإن الجمجمة في الجمجمة ، والهمهمة في الحمحمة « 1 » .
هامش
( 1 ) الجمجمة : الكلام المخفي في الصدر . والجمجمة : عظم الرأس . والهمهمة : الكلام الخفي وقيل تردد الزئير في الصدر من الهم والحزن . والحمحمة : عرّ الفرس حين يقصر في الصهيل . وقال الأزهري : حكاية صوت الفرس إذا طلب العلف ، أو رأى صاحبه الذي كان ألفه واستأنس به .