نفسي لك الفداء يا كعبة الحسن :
رأيت العارفين قد رموني بمحبتك ، وهي شرفي ومجدي ، وعيّرني المحققون بالتضرع إليك ، والطواف بربعك ، وفيهما حياتي وسعدي . عموا واللّه عن إدراك ما أودع اللّه فيك من الحقائق . وجهلوا امتداد ما بيننا من الرقائق .
فالحمد للّه الذي جعل مصلحتي في رضاك ، وسعادتي في قضائك ، وزوى عني روح حياتي بمشاهدتك ، وصفّاني من كدر الهوى بموافقتك ومساعدتك ، خسر من لم يمتثل أمرك ولا خاطب سرّك .
أيها العاذل : أما تمل ، أما علمت أنه قد سبق السيف العذل ، ولولا لزومي مغناها ، وتعشقي بحسنها ومعناها ، ولثمي مقبلها البرود ، وقطفي ورد تلك الخدود ، وتعلقي بدلالها وأردانها وتعشقي بحسنها البديع ، وإحسانها ، وتصفحي آثار الربوبية في نشأتها وملاحظتي سر القيومية في بدأتها ، ونظري معنى الألوهية في صورتها ، وشهودي أحكام العالمية في سيرتها ، لما كنت من العزة بحيث لا تبلغني ، ومن الرفعة والتنزيه بحيث لا تعرفني . وعزّة حياتها عليّ وإنه لقسم عظيم ، عند كل ذي عقل سليم .
لو اطّلعت أيّها العاذل على المقام الذي حصل لي من وجدي بها ، وعشقي فيها ، لاتخذتني ربّا معبودا ، ومولى مقصودا ، فاحمد اللّه الذي أبقى عليك إيمانك بستري بعدم اطلاعك عليّ ، ونظرك بالعين السليمة إليّ فهو الذي أهلك النصارى في المسيح ، ورمى بهم في المهامه الفيح .
ما أفرحني أيها العذول بجهلك بمقداري ، فإن فيه سعادتك ، فاحمد اللّه الذي عشق إليك عادتك . وحياة الحب لو اطلعت من كعبة الحسن على ما اطلعت ، وسمعت منها السحر الذي سمعت ، لكنت حبرا من الأحبار ، يتحدث بك في جميع الأمصار ، تسامر بك السمراء ملوكها ، وتنظم بك الغواني سلوكها ، وتحدى بك الركائب ، ويستعان بك على قطع السباسب ، وكنت لا تسعك محجة ، ولا تقوم لأحد عليك حجة .
فأنت أيها العاذل المحروم السعيد ، وأنت الميت الشهيد ، جمعت بين الحياة والموت ، والفوز والفوت ، إلى متى أيها الرقيب أنت يقظان ؟ إلى متى أيها العاذل أنت في أمري حيران . من أجل ما بلى الجفون وسنان ، مائس الأعطاف سكران . اشتغل بإحصاء أنفاسك عن أنفاسي ، وبتعديل أمراسك عن أمراسي ، ( فطوبى لمن شغله عيبه
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 203
مساهمون: ابن عربي
ص٢٠٣