تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
حقيقة منك إلى اسمها ، فوقفت على حقيقة رسمها ، هذا طربك على الغيب بآلة السماع ، فكيف حالك بالقرب والكشف والاستمتاع ، خفيت الإشارات في العبارات ، واندرجت الغيابات في الحكايات ، وألمّ المرض فعظمت الكربات ، وطالت الوحشة فتضاعفت الحسرات ، وتوالى الوجد فترادفت الزفرات ، التفت الغريب إلى وطنه فحن وتذكر مشهدا كان له به ، فإن نظر إلى بواره في غربته وخساره ، وهلاكه في غيبته ودماره ، هلك واللّه قلب تاه بين الصدر والورد ، ونفس جالت بين البغض والود . عجبت لناصح غش ، ولمالك أهلك ، ولمصلح أفسد ، ولعزيز آذى ، ولقوي كاد ، معاملة لا يقتضها منصبهم ، ولا يرتضيها حسبهم ، ولكن ثم رموز وأسرار ، غطى عليها إقرار وإنكار
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 )
[ الشمس : 7 ، 8 ] . من لم يصل إليك إلّا بك فأنت أوصلته ، وما وصل ، ومن انفصل عنك لك فأنت فصلته ، وما انفصل
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] . فالأصم هو السميع ، والبصير هو الأعمى ، حكم الحاكم العالم ، متى أدبر النهار من هاهنا ، وأقبل الليل من هاهنا ، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ، واغتمت الظلمة فاستترت العوالم ، فبقيت تخبط بغير دليل ، ولا رؤية سبيل ، ولا قمر يبدو ، ولا حاد يحدو ، ويلي عليك وويلي منك ، يا رجل لا راحة معك ، ولا راحة دونك ، يا أمل . هيهات حق وجب ، ورهن غلق ، وشمل تصدّع ، وعقل حار ، وقدم زلقت ، وعدم ثبت ، وسقوط حصل ، ولم تبق إلّا صبابة ، ويعرف الإنسان ما أصابه ، وفي تلك الصبابة جماع الأمر وملاكه ، وقوام الشيء وهلاكه ، فهي لما عمل فيها ، وهي لمن يصطفيها ، وعلى من يزدريها ، وقد علمت أن الحق قال لأبي يزيد ، وقد توسط بحر الاضطرار ، وطاش لبّه وحار ، تقرّب إليّ بما ليس ليّ ؛ الذلة والافتقار . ثم ضاعف له المقال في الحال : اترك نفسك وتعال . فاضرع إليه بأسمائك ، والجأ إليه ببلائك ، فإن خلعته عليك أسماؤه ، ومنزلتك عنده أنباؤه ، فإذا دخلت عليه بخلعته فماذا يخلع عليك ، وإذا نظرت إليه به فكيف ينظر إليك ، لا يصح أن يجرد عنك خلعته ، وقد لبستها مسروقة ، واتخذتها معشوقة ، وتخيلت أنك بها تنجو ، ولذلك كنت ترجو . ألّا تراه يناديك في عذاب الجحيم :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 49 )
[ الدخان : 49 ] . فلو خلعها عليك بنفسه ، لأمنت من بأسه ، فعدّد عليه نعمه ، ووجّه إليه كلمه ، وقل له في غياهب الدياجي المظلمة بالألسن المعربة والمعجمة :
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 196 | ابن عربي / عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى