تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
أما علمت هذه النفس أن لها ثلاث قوى في ست حضرات تتصرف تحت حكمها ، وتمشي على مقتضى علمها ، قوة ناطقة حضرتها الدماغ ولها فيه منازل ، على عدد النوازل ، يحفظها في اللفظ ، الخيال والفكر والحفظ ، والخيال في مقدم الدماغ لتلقي المحسوسات ، والفكر في وسط الدماغ للتمييز والترجيح في القضايا والحكومات ، والحفظ لصون ما حكم به الفكر في القضيات ، حتى تمس الحاجة إليه فتلقيه بين يدي الحاكم ، هذا حكم له لازم ، فالفكر حاكم محقق ، والخيال شاهد مصدّق ، والحفظ أمين موثّق . فهذه القوة الناطقة بكمالها قد تميزت ، وفي صدر موكبها قد تبرّزت ، فهي السيدة السلطانة . وأمّا القوة الثانية فهي القوة الغضبية ، وحضرتها القلب ، ولهذا لها الاسم الرب ، وهي لهذه الناطقة أجناد الاستعانة . وأمّا القوة الثالثة فهي القوة الشهوية ، وحضرتها الكبد ولهذا لها تدبير الجسد ، وهي لهذه الناطقة رعية الاستكانة . فإذا جروا على ما أهّلوا له بالحدّ الموضوع ، والعهد المشروع ، والتصرف المعبودي الحكمي فازوا وربحوا ، وإن عدلوا عن هذا الحد الأمري ، إلى الحد الإرادي ، ونزلوا بالحكم الاختياري ، الإلهي من جانب الغرض النفسي خابوا وخسروا « فمن عرف نفسه عرف ربه » ، ومن عرف اللّه عرف قلبه ، فكن مع الرب لا مع اللّه ، فربي وإن كنت مع اللّه فمن كونه ربّا ، فإن ذلك رحمي الأبد ، ونعمى الخلد . ثم لتعلم يا كعبة الحسن الفائق : أن في الوجود نكتة غابت عنها عقول كثيرة ، وعمي عنها كل بصر وبصيرة ، وذلك أن الإنسان إذا كان في شيء لم ير حقيقته ومعناه ، وإذا صار عنه أجنبيا رآه ، والنفس إذا التبست بشهوتها وغرضها ، وتعشقت بعلّتها ومرضها ، لا ترى سوء ما هي فيه ولهذا تصطنعه وتصطفيه . قال تعالى موعدا ومبينا :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً
[ فاطر : 8 ] . فإذا كنت أنت المكلف يوما ما بذلك الأمر سواك ، هل يستوي عندك من أطاعك فيه ومن عصاك ، فإن أتى ما نهيته عنه أن يأتيه وتحاماه ، أو عصى ما أمرته به وأنت تراه ، هل كنت ترى فعله ذلك إلّا عيبا عظيما ، وجرما جسيما ، وعدم احترام ،