تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
ففررت أمام الخطاب إلى سرّك ، فوقعت في يد ربك ، فأخذك وقيّدك وسدّدك ، هل فعل هذا إلّا لحبه فيه ، فيجتبيك ، ويصطفيك ، ولهذا أشار من ليس في إشارته مفتون : « استفت قلبك ولو أفتاك المفتون » « 1 » . فلما قيّدك بالمودة ، وأخذ عليك العهدة ، أضرم نار الشوق إليه ، في صدرك ، ورفع لك عنده أعلام قدرك ، ولطف سرك ، لابتغاء أمرك ، ووضع وزرك لخفة ظهرك ، وشرح صدرك لرفيع ذكرك ، وسخر لك البلاد والعباد ، وخرق لك في سرائرك المعتاد ، وقيض لك في كل وجهة المراد ، وأراك غايات الحالات ، ورفع الستر بينك وبين ما فيك من الآيات ، وقال لك أنت التاج ومن سواك النعل ، وأنت الفاعل ومن سواك الفعل ، فكنت السميعة المطيعة ، فلم تتخذ الشكوى موطنا ، ولا تجنيت على من أحبك مخلصا ، وما تكاسلت عن بلوغ الأمد الأقصى ، لاستشرافك عليه من منازل الأقصا ، أرغبت في سعادة الأبد ، فزهدت في كل أحد ، لبست حالة صحيحة سوية ، وثقة محكمة قوية ، وعادة صالحة مرضية ، وقارنت عالما خرّيتا « 2 » ، وهمة عالية ، ويقينا جزما فثبتك تثبيتا ، اعتصمت من الفتن الغالبة ، وعزمت عزائم أهل الهمم قاطبة . فأنت الروضة الغنّاء ، والسماء الزهراء ، وثبت على الأمور الهائلة وثبة الأسد الضاري ، وألفت المفاوز في طلب المفاوز والبراري ، اعتبرت صحيحا ، فوجدت الخطيب فصيحا ، والواعظ نصيحا حننت عند الغروب ، حنين الغريب ، ألقيت أمرك بيد الأمر فاسترحت ، وجثثت بين يديه وما برحت ، تصرفت عليك ضروب التحكيم ، فقابلتها بالتفويض والتسليم ، تنزهت لما تنزهت ، وتقدست لما تدنست ، وانتسبت كل
هامش
( 1 ) رواه الدارمي في سننه ، باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، حديث رقم ( 2533 ) وأحمد في المسند عن وابصة بن معبد الأسدي ، حديث رقم ( 18035 ) ورواه غيرهما ونص رواية الإمام أحمد هي : عن وابصة الأسدي قال عفان : حدثني غير مرة ولم يقل حدثني جلساؤه قال : أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه فجعلت أتخطاهم فقالوا : إليك يا وابصة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت : دعوني فأدنو منه فإنه أحب الناس إلى أن أدنو منه ، قال : « دعوا وابصة ، ادن يا وابصة » مرتين أو ثلاثا ، قال : فدنوت منه حتى قعدت بين يديه فقال : « يا وابصة أخبرك أو تسألني ؟ » قلت : لا بل أخبرني ، فقال : « جئت تسألني عن البر والإثم » فقال : نعم ، فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول : « يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك » ثلاث مرات « البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك » . ( 2 ) الخرّيت : الدليل الحاذق بالدلالة . . وإنما سمي خرّيتا لشقه المفازة .