أترى هؤلاء عرفوني ، ولو صحبوني مدى أعمارهم هل تراهم صحبوني ، فلا مراتب العلم عرفوا ، ولا الحال على ما هي وصفوا ، الصنف الذي يطلب الزيادة فيه معلوم ، والصنف الذي لا يطلب الزيادة فيه مفهوم ، هلّا نظر إلى السائل وعقله ، ومرتبته في علمه ، وأين هو في المراتب ؟ وأي مذنب سلك من هذه المذانب ، لو اجتمع الخلق من أولهم إلى آخرهم أن يسألوني ما أخذت لسؤالهم خلوة ، فإن سؤال الخلوات على سؤال الحق موقوف ، لما يطرأ في السرّ من موارد الغيب المعروف ، وما الكون حتى يضطرني ، وما العالم حتى يزعجني ، أتزل بي القدم ، عند رؤية هذا العدم ، إنّا للّه على قلوب حجبت بأغراضها ، وقيّدت بأمراضها ، فقاست غيرها عليها ، وتخيلت أن هذا حق وصل إليها .
يا كعبة الحسن : هذا سرّ أبثّه إليك ، وأتلوه عليك ، معلوم أنه أعطى قبل السؤال ، ثم رد السؤال ، وما ردّه عندنا بطائل ، لأن الحقائق شتّى منها أين ومتى ، وشيخ وفتى ، ومقرب ومبعود ، ومشهود ومطرود ، وموافقة مكان ، ومقارنة زمان ، وتحصيل اسم على مسماه ، قلت : يا رب . فقال : لم يصل الوقت . قلت : يا إلهي .
فقال : لم يصح الشرط . الدعاء من القضاء يرد القضاء .
ذكره إيّاك تعريفا وتشريفا ، فانظر بماذا يذكرك كنايته عنك تقريعا وترفيعا ، فانظر بما يكنى عنك ، لا يغرنك سماع الخطاب ، ولا رفع الحجاب ، وإنما تغتر بما يبدو لك منهما ، فإمّا تساء وإمّا تسرّ ، رفع حجاب العافية فنزل البلاء ، ورفع حجاب البلاء فنزلت العافية ، فكل واحد منهما حجاب الآخر محجوبه ، ورب الآخر مربوبه ، كن غيبا في شهوده ، وخبرا في عيانه ، وعناء في راحته ، وعلة في شفائه ، وجهلا في علمه ، وفقرا في غناه ، ومهجورا في مواصلته ، ومستوحشا في مؤانسته ، وجموحا في إذلاله ، وعقولا في لطفه .
واجهد فإن اللّه لما أراد الخير بك يا كعبة الحسن عرف بيني وبينك ، وأشهدك عيني وأشهدني عينك ، وحركني إليك ، وأنزلني عليك ، وعشقني بجمالك ، وهيمني في دلالك ، ولست ممن يحيل هذا وأنت الخابرة .
أما تراني أطوف بمعاهدك ، وأجري على مقاصدك ، فإذا أكملت الأسبوع ، بادرت إلى الركوع ، ولا أنصرف قط عنك إلّا عن أمرك ، فأنت المنصرفة لا أنا ، وأنت المستريحة وأنا المعنّى :
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 198
مساهمون: ابن عربي
ص١٩٨