إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا * ألّا تفارقهم فالراحلون هم « 1 »
أين ذهنك يا كعبة الحسن من كلامي ؟ وأين يقظتك من منامي ؟ اتحدت أسرارنا ، وامتزجت أنوارنا ، فأنا أنطق بك وعنك ، وأنظر إليك ومنك ، فقضيت حقك ، وأعدمت في جنابك خلقك .
فانتبه : فقد أيقظتك ، واتعظ فقد وعظتك ، اشتغلي بنفسك في حقي فسيحمد شغلك ، وافعل فيها ما يرضيني منك فستشكر فعلك ، فكأن بأركانك قد هدّت ، وبحبالك قد مدّت ، وبسبلك قد سدّت ، وجاءت الأحابشة فأخذت أحجارك ، وهتكت أستارك ، ورمت بك في اليم ، وجارت عليك في الحكم ، وهذا كله لتوصلك إليّ ، وتمثل ذاتك بين يدي ، ولكن انظر ما تقاسيه في طريقك إلينا من العناء ، ومن عذل العاذلين وحراسة الرقباء ، ومن صعوبة الطريق وحزنه ، ومن شدة كرب الهوى وحزنه ، فقف متضرعة عازمة ، وقوف مقصرة عالمة ، ومد اليمين واليسرى ، وسل في تيسير العسرى ، وقل له : « أنا القصرى تعلم حقيقتي وتعرف طريقتي ، فحسبي علمك بحالي ، فستفوز بملاك الأمر ، وتحصيل السر ، فإن الذي تناجيه الآن في مقام البسط ، ومنزلة الحل لا الربط ، فلا تخوفنك الغمرات ، ولا تحجبنك الظلمات ، فإن الفجر قد طلعت منازله ، والصبح قد لاحت دلائله ، والليل قد انقضت مناهله ، وهذه الشمس قد بدا حجابها فأشرق ، وأبدى ما كان خفي من الحق ، وفتح باب كان بالأمس مغلقا ، وفرج أمر كان قبيل ذلك مطبقا . والمنادي على الأعراف صائح ، والسبيل بين يديه واضح .
والصوت في الجو عال ، والدف يجيبه في الحال ، يا داعي اللّه ، ويا حادي اللاهي .
أما ترى مجلس السرور قد احتفل ، ووجه غلام الزمان قد بقل ، والشراب المروّق قد مزّج بالتسنيم ، والنعيم قد ورد على النعيم ، والنديم يغازل النديم ، والحميم يناجي الحميم ، والمدير قد شمّر عن معصمه ، ودار بكأسه على ندمائه وجلّاسه ، وأسرار أهل المجلس متناغية ، وسوق المهرجان قد قام على ساقه ، والسماع في ارتفاع ، والتواجد مطابقا للإيقاع ، والأيدي مبسوطة إلى المدير ، والعيون ناظرة إلى وجهه المنير ، والمسمع فصيح ، والمحل فسيح ، والعاشق قد أعلن بالتشريح ، وتمثل بقلب طروب من الكتمان جريح :
هامش
( 1 ) هذا البيت هو للمتنبي من قصيدة تقع في 37 بيتا مطلعها :وأحرّ قلباه ممّن قلبه شبم * ومن بجسمي وحالي عنده سقموالقصيدة من البحر البسيط الذي تفعيلته هي : مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن .