الخشية ، فنالوا الرضا بالإنضا ، وحازوا الجد بالجد ، نظروا بنور اللّه فأدركوا ، ونطقوا بذكر اللّه فتملكوا ، وقدّسوا نفوسهم من درن المخالفة ، فخولفوا وعاينوا ملكوت الحقيقة الإلهية فعموا فضوعفوا ، واعتمدوا على قدم الصدق اليونسي فاطمأنوا ، وامتلأت جوانحهم بسرائر العشق فبدا عليهم ما أكنوا ، ترادفت عليهم المنن الربّانية فلم تبق فيهم متسعا للطمع في غيرها فعصموا ، زهوا بخدمته بين عبيده لما اصطنعهم لنفسه فحكموا ، خالط حب المنزل بشاشة قلوبهم ، فما عالجوا ولا عرّجوا ، فنودوا فتلذذوا . فقيل لهم : ادرجوا . فما درجوا .
وا عجباه . من مخالفة توجب قربا ، وحسنة موافقة تورث عتبا ، جاعوا فخصبوا ، حزنوا فلعبوا ، تمسكنوا حتى تمكنوا ، تملقوا حتى تحققوا ، توسلوا حتى تواصلوا ، وحّدوا حتى اتحدوا ، أنسوا فلم يستوحشوا ، استعملوا الأقدام إليه ، فنزل بهم عليه ، فلما كشف لهم عن وجهه ، لم يروا سواهم فهم العبيد والموالي ، والأسافل والأعالي ، نفسي الفداء لقلب يفهم ، أو سر يعلم ، للدهر حوادث ومصائب ، وسهام ماضيات صوائب ، لكن منها سهام تبصر فتتقى ، ومنها سهام معنوية ترمى بها القلوب من قسّي المكر فلا تتوقى ، فموقع مثل هذا السهم لذيذ في الحال ، فظيع المرارة في المآل ، فإن سهام الرزايا إذا رمي بها عن قسي المكر لا يظهر فيها شيء من النكر ، فالحكم للوقت ، فإما بالبخت ، وإما بالمقت ، شمس تدور ، وقضاء في ذلك الدوران يغور ، تصاريف الأقدار رسالات رسل الليل والنهار ، بياض وسواد ، شقاء وإسعاد ، رسولا أضداد ، البغية فيهما مجهولة ، وكلمتهما عند اللّه مقبولة ، لأنهما الأمينان على كل ذات لما نصبت ، وهو القائم على كل نفس بما كسبت ، فليل لجنّة في الدنيا والقصوى ، ونهار لسعير في الآخرة والأولى هما اللذان يأتيان بالكسب ، ويوبخان بالعتب ، ويستدرجان بالنعم المشوبة ، ويعرفان بأنها المطلوبة ، فلا تلتجي لاستغنائها وتريد من مولاها أن يحط بفنائها .
إلى هذا انتهى أمر هذه النفس الخسيسة ، الكريمة الرئيسة ، تأملت سر الاتحاد في الليل والنهار ، الليل هنا لباس وعذاب في دار البوار ، والنهار هنا عذاب ونعيم في دار القرار ، والنفس في هذا كله لاهية ، ليس لها لما أورده عليها أذن واعية ، ما أسرع ما تلحقها الرزايا ، وتختلسها المنايا ، وتحيط بها البلايا ، وتجرعها الغصص ، وتكون أشأم مفترض يفترس فلو عرفت حقيقة نفسها ، لفرقت بين يومها وأمسها ، وعقلها وحسها .
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 192
مساهمون: ابن عربي
ص١٩٢