تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
فاعلم أن النفس والريق إنما يجريان بحسب ما استقر في القلب استقرار الاستفراغ ، وانتهى فيه غاية البلاغ ، فحينئذ يكون ما قالوه ، ويظهر ما أخبروا به وسطروه كما حكي عن الحلاج : إنه انكتب من دمه اسم المحبوب . وكذلك زليخا : حين فصدت وقع دمها في الطست يوسف بن يعقوب . فالذي يكون في القلب يتزايد كائنا ما كان حتى يذهب من الأذهان . ويا عجبا ! كيف غفل عن هذا المعنى أصحابنا وهم أهل تدقيق وتحقيق . فهذا يا كعبة الحسن . قد كان بيني وبينك فقد اتحدت أرواحنا ، لما تعانقت أشخاصنا ، أتذكر إذ لثمت يمينك الغرّاء في الهاجرة ، وأنت لي كالمحبة الهاجرة ، فانفتح يمينك حتى التقم الشهادة التوحيدية من نفسي ، وزفرت عند ذلك فكاد يحرقك قبسي . فالحمد للّه الذي وحدني بك ووحدك بي ، وصرت مني كأمي من أبي ، هي ذاته وهي أهله ، هي بعضه وهي كله ، لكن يا كعبة الحسن . إن اللّه سبحانه بلطيف حكمته ، وغريب صنعته ، خلق أعضاء تكليفك ، وفرّق بين لطيفك وكثيفك ، وجعل في كل كثيف أمرا ، وفي كل لطيف سرا ، فإن أبقيت نظامها على الوضع الإلهي ، والتناسب الربّاني فأنت المالك ، وإن لم تجرها على وضعها ، وخلطت بين ضرها ونفعها ، والتبس عليك تثنيتها بجمعها فأنت الهالك . هيهات
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً
( 36 ) [ القيامة : 36 ] وكأني بك قد بلغت المدى ، اجعل العالم شهداء لك لا عليك ، وشاردين من كل أحد إليك ، عشقهم بذاتك عشق من لاح له من ذلك علم النجاة ، وشوقهم إليك تشوق من لاحظ الفوز في تحصيل الدرجات ، فامتطى بعملات الأعمال ، ورقص به الآل ، وواصل البكور بالآصال ، رغبة في المشاهدة والوصال . إيه يا قرة العين ، ويا حلب الكبد ، أصبحت مني كذراع من عضد ، أزعني سمعك ، وهبني جمعك . خرجنا يوما إلى السياحة في فلوات المعاني ، وتجردنا للسباحة في بحر المثاني ، فلقينا قوما جدّوا للبغية ، وكدّوا لتحصيل المنية ، وتحلوا بأسنى حلية ، فتاهوا في تيه