وإيّاك والغيرة أيّها الرقيب الحسود ، فإن حسرتها عليك تعود ، فجمالي مبذول لكل عين ، وسحني متجلّ في كل كون ، لما تنزّه أن يدرك ، وتعالى أن يملك ، لم أبال بما ظهر منه للبشر ، فإنهم ما يقبلون سوى الحجر ، من رأيت قط منهم غاص في بهمته ، وسار في كلمته ، ما منهم أحد يزيد على أن يستلم وينصرف ، ويعتدل ساعة ثم ينحرف ، والعارف منهم غايته أن يقر بالعجز ويعترف .
ألم تر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بعض الحركات قد وقف عند يميني ، وقال لبعض أصحابه :
« ها هنا ينبغي أن تسكب العبرات »
« 1 » .
أترى ذلك سدى ، أترى مبلغ ذلك مدا ، فما لك والحيرة ولباسك رداء الغيرة ، اللّه قد هتك ستري وأخفى عنهم سري ، فيدورون بمعاهدي على حكم العادة ، وغاية الحاضر منهم طريق العبادة ، ولا يلحظ أحد منهم ما تحصل له في معناه عند طوافه بي من الزيادة . أثبت الناموس الأخشاب والناقوس ، وبئس الجاسوس ، الغراب أو الطاووس ، يتبع ليرى ، وحسد وافترى ، وأتى في حديثه بقاصمة الظهر ، وقارعة الدهر ، فأفّ لها من عسرة ، وتعسا لها من غرّة . أين هم من نعت الصادقين ، وصفة المخلصين ، حالة حولا ، وعين عورا ، دجال تائه ، على معنى يسير تافه ، بئست ألوهية لا تدوم سوى أربعين ليلة . ويلها من حالة وويله ، ولكن مدح أيوب بالصبر ، وداود بالشكر . فترادفت البلوى ، وقيل إياك والشكوى .
فتراني صابرة على دعواهم ، سامعة في كل حالة نجواهم ، قد سودوا يميني بخطاياهم ، وكانت اليمين البيضاء ، وأبلوني وكنت الجديدة الغضا ، واللّه لأصبرنّ على ما قضى ، حتى أحوز الرضا وأستعذب المرّ في جنابه ، واستسهل الصعب رغبة في اقترابه ، حتى أفوز وأجوز ، وأحصل وأحوز .
فديتك يا كعبة الحسن :
لقد وبّخت الرقباء ، وسفهت الحكماء ، وجهّلت العلماء ، وأعييت البلغاء ، طبت وطاب كلامك ، ودمت ودامت أيامك ، أذهب اللّه وصبك ، وأراح تعبك .
والسلام المعاد عليك .
ورحمة اللّه وبركاته .
هامش
( 1 ) رواه ابن خزيمة في صحيحه ، باب البكاء عند تقبيل الحجر الأسود ، حديث رقم ( 2712 ) والحاكم في المستدرك ، أول كتاب المناسك ، حديث رقم ( 1670 ) وابن ماجة في سننه ، باب استلام الحجر ، حديث رقم ( 2945 ) .