انظر إلى هذا التعشق الإلهي ، وهذا التحقق الاعتصامي ، نقّ سرّك عن كل كدر ، وطهّر جوارحك من كل دنس ، وأزل رمد الغفلة من جفنك بكحل الانتباه ، وغب بكليتك فيّ عن ملاحظة الأشباه .
إن أردت أن تحصّل هذا العلم الذي تلوناه عليك ، وأنزلناه إليك ، تضرع إلى ربّ السماء في تحصيله ، واسأل إله الأسماء في أن يوفّقك على تفصيله ، وإياك أن تسأل منه الجمع فتعمى ، وتحصل في دجنة ظلماء ، حيث لا ظل ولا ماء ، فإن معرفة التفصيل تجمع وتحصل ، ومعرفة الجمع لا تفصّل ، فتبقى الحيرة على أصلها لما لم تتحقق بفصلها .
وقد نصحتك فأبلغت ، ودعوتك فأسمعت ، فأجب الداعي ، بالسمع الواعي .
فقد آن الاندكاك ، وقرب الهلاك ، وضاقت السماء بالأملاك ، والاستواء بالأفلاك .
يا كعبة الحسن :
قل لرقبائك نور وجهي عليّ رقيب وأنتم لا تشعرون ، ما لكم لا تبصرون ، أعميت أبصاركم ، أطمست أنواركم ، ما لكم تحسدوني على عارف هيمّه جلالي ، وتيّمه دلالي ، وسحره غنجي وجمالي وتيّهه كمالي .
أنا الكعبة ؛ التي خضعت إليّ رقاب الجبابرة ، وعنت لقيوميتي وجوه الأكاسرة .
كم تاج من على رأس صاحبه أسقطته ، وكم ثوب من على ظهره جردته ، من الذي يجرؤ أن يدخل حرمي محلا ، أو يتخذ بيتي محلا .
ألم تروا إلى المتألهين حين رأوني قد زالت معالمهم ، وإلى الأوابين قد انتقضت عزائمهم ، وإلى الأواهين قد انقضت صرائمهم . أين التائه في حيرته ؟ والواجد في سكرته ، والهائم في غمرته ، والواله في نفرته ، والمناجي في صلاته ، والراتع في غلياته ، والمطمئن في إشاراته ، والموقن في آياته ، والبالغ في عباراته ، والعارف في إشاراته ، والمتفنّن في كناياته .
ما لهم إذا أبصروني ذهلوا ، وبالطواف بذاتي شغلوا ، هل ذاك إلّا لسرّ اختصصت به على أبناء جنسي ، وأودعه الحق في نفسي . فكم يغار الرقيب ، وكم يروم أن يطفئ هذا اللهيب ، من قلب كل حازم لبيب ، أسمعت القلوب الإلهية ندائي فتغاثت ، وأبديت لها حجابي فطاشت ، وأسفرت لها عن ظاهر وجهي فتلاشت .
فكيف لو تجلى لهذه القلوب من أسرار حسني المعنوي ، وجمالي العلوي ، وهي بهذه المثابة والمكانة ، من المقام العلي ما عرفت رسوم ديار ، ولا ندبت أطلال ولا آثار ، فاعتبروا أيها العارفون في جمالي ، وإقامتي على اعتدالي .
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 188
مساهمون: ابن عربي
ص١٨٨