فإن تعجّبي في حق المحب من الشكوى ، أعظم من تعجّبي مما حلّ به من البلوى . فإن المحب مشغول بلذة حبّه فأين الألم ، ومن لم تكن هذه حاله في الحب فليس له فيه قدم ، الألم مع الإحساس والمحب مخدور ، الضراعة مع العقل والمحب معتوه مقسور ، أين أنت من المثل السائر في النقل ، ولا خير في حبّ يدبّر بالعقل .
وهذه « ليلى » وقفت على « قيس » فقال لها : ( إليك عنّي فإن حبّك شغلني عنك ) .
وكان يمشي عريانا لا يواريه شيء فلا عقل ولا إحساس ، وكنّا نقول بالموت فيه لولا الأنفاس . كيف يشكو من لا يعقل ؟ كيف يألم من غمرته اللذّات ؟
أما علمت أن شهوة الحب أعظم من سلطانه ، وإن شبهتها أقوى في الصورة من برهانه ، ما هذا إلّا توهم بعيد ، استحكم سلطانه على قلب العاشق الوحيد . ما أحسن هذا الشأن لو ظهر ولو بالنقل ، ما أبدعه لو خرج من القوة إلى الفعل ، لكن العقول قد أعجبت بمداركها الفكرية ، والبصائر تائهة بتصاريفها العقلية ، والأذهان محجوبة باستنباطاتها الزكيّة ، لو عقل العقل أنه معقول ، وعلم العلم أنه معلوم ، وبصر البصر أنه مبصر ، لذل الكل تحت القهر ، وغرق الكل في لجج هذا البحر .
يا كعبة الحسن : هل نظرت في شأنك كيف سوّاك ؟ حتى انهدت أركانك وقواك . كيف لم تكن شيئا ثم كنت ؟ كيف لم تبن ثم بنت ؟
وقفت على الآيات التي أنبأت عن حقيقتك ، وأوضحت لك معالم طريقتك .
أين أشعارك وإحساسك ؟ أين بحثك والتماسك ؟
تأتي إلى عارف مثلي تدخل معه في اللّجج « 1 » ، وتتوسط معه الثبج « 2 » ، وتبدي له الشّبه في صور الحجج ، وأنت لا تفرق بين العاج والسّبج « 3 » .
أتظن أني لا أعلم بمقامك ومقامك ، ألست من اليسار ، ألست الضلع الأعوج الذي إن أردت تقويمه تسارع إليه الانكسار ، لا يصح لك أبدا الاعتدال ، ولا تنتقل من هذه الحال ، أجبني إن كنت صادقة ، خاطبني إن كنت ناطقة ، ما بالك خرساء عن مجاوبتي ، ما بالك عجماء في محاورتي ، أنا الحي الذي خلقت مني ثم شاركتني ، حتى كنى بك عنّي ، أنت جزئي وكلي ، فيك يا عجبا الكل في الجزء حقيقة ترميها
هامش
( 1 ) اللجج جمع لجة ، ولجة الأمر معظمه ، ولجة الليل ولجة الظلام : شدة ظلمته وسواده .
( 2 ) والثّبج : وسط الشيء وفي الإنسان ما بين الكاهل إلى الظهر .
( 3 ) السّبج : خرز أسود ، دخيل معرب .