كما قلت :
عليل الجسم قد هجر المناما * بصاحب خيفة الواشين لاما
يهيم بروح قدس لا يسامي * إذا ما أبصر الشعرى تساما
يقول : أنا القتيل بغير سهم * وذاتي كلّها ملئت سهاما
شكوت اسم الحبيب إليّ وحدي * وراعيت المودّة والذماما
ولم أخف اسمه حذرا عليه * ولكنّي ابتغيت الاحتراما
فمهما أراد المحبوب ينطق فباسم الحبيب ، ومهما أراد يسمع فكلام الحبيب ، وكلما أراد أن ينظر فإلى وجه الحبيب ، من نظر إلى غير وجه محبوبه هلك وتلف ، ومن سمع غير كلام معشوقه ندم وأسف ، حبيبي بل ظلّي بظلك حتى تنهل الدّيم ، خلّق ذاتي بخلوق خلقك حتى تتزكى الشّيم .
إلى متى يقيم الدّرج في الدّرج ؟ هذا أوان العجّ والثجّ « 1 » ، نفوس تهدى ، وإبل تحدى ، وضدان مخصوبان ، وندّان منصوبان ، ورسائل ووسائل ، واستماع واستمتاع ، ومواسم في مباسم ، وتباب في قباب ، وثغور في ثغور ، ودواهي في نواهي ، وقواصم في عواصم ، ونواظر في نواضر ، فمن غمره الفضل ، وسقاه السّجل ، وصفاه الحب ، وتصافاه القرب ، وهجره الوعيد ، وناقره التهديد ، فذلك الذي لا يتصف بعد بالسقا ولا بالظما ، ولا بالكدر والبعد ، ولا يبرح في حظيرة السعد .
يا كعبة الحسن : ما أشد وجدي عليك ، وشوقي إليك ، وسرد في هؤلاء الطوائف ، واستغنم هذه الطرائف ، فعزيز أن يرى مثلي بربعك طائف ، تحقق بهذه المعارف والإشارات ، وانظر ما أومأت إليك به خلف حجاب هذه العبارات ، واسنح بها على ذاتك ، وادّخرها بعدي لبناتك ، أليست السلطانة بها بعدك أولى ، أليست السلطانة بميراثك أجدر وأحرى ، باللّه وحياة الحب هل يستوي العبد والمولى ، فعليك بالتسليم لما أورده عليك ، وواجب عليك أن تبلّغ ما أنزل إليك ، ولا تسل عن العلة والسبب ، فقد تميزت الرتب ، لمّا قسمت وعرفت النّسب ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، وهي فيهم وهم فيها وهم لا يشعرون ، فهم الجاهلون وإن عقلوا والصمّ وإن سمعوا ، والعمي وإن أبصروا ، والخرس وإن أفصحوا . كم من لسان عجمي قلبه عربي ، وكم من لسان عربي قلبه أعجمي
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ البقرة :
171 ] ،
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
( 21 ) [ الأنفال : 21 ] .
هامش
( 1 ) العجّ : رفع الصوت بالتلبية . والثّج : ذبح الهدى وسيلان دمائها .