تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
شبابه ، ويفوز به من بين أترابه ، ويخرق سرف الكم ، ويجوز بحار الهم ، ويجوب مفاوز الغم ، فليعلم أن الفتنة في المنّة ، والسّنة في السنة ، والمؤنة في المحنة ، فلا بد من تجرّع كؤوس البلوى ، والحنين إلى مواطن الشكوى ، وهدّ ركن القوة ، ومحق رسم الشباب والفتوة ، واضمحلال الرسم ، وفناء الاسم ، وتعثر النطق ، ودحض الحجة بالصدق . آه على قوم حرموا التوفيق ، فطلبوا الراحة وأخطأوا الطريق ، عليك يا كعبة الحسن بالحزن الدائم ، والهم اللازم ، والتلف الكلي في وصال العلي ، فما أحسن ذلك الجمال المطلق ، والبهاء المحقق ، والجلال الأنفس الأعلق . قدمي في مكاني ، وجناني في عياني ، فأنا النازح القريب ، وأنت الأهل الغريب رميت بفنون الشجون ، وقيل أنت المثقف المسجون . ولا عطفة ترجى ، ولا رحمة تزجى ، ولا رأفة تتوقع ، ولا فائت يسترجع ، حار واللّه سري ، وطاش لبّي في مجاراة الأضداد ، ومصادمة الأنداد ، والائتلاف بشجر الخلاف ، هلا ظل غيرها من الشجر كان ، ولو كان النجم بدلا من الشجر لكان أحسن في نطق الزمان . وأين الفأل من الطيرة ، وأين السيرة من السيرة ، باسم الشجر عصى أب الآباء ، حتى نودي به في صريح فصيح الأنباء . ذات الجسم والروح ، بين الدنوّ والنزوح ، والاغتراب والاقتراب ، والسكر والصحو ، والإثبات والمحو ، فلا حالة تثبت ، ولا أرض تنبت ، سماء تبكي ثم ترفع ، وأرض تضحك وقتا ثم تخشع . أين سرّ الديمومية والثبات ، أين ملازمة الالتفات ، إلى متى هذا التحول من حال إلى حال ، كأنه محال في محال ، أواه أواه على حمل الأعباء ، واختراق السماء ، هلّا نزل إليّ ولا اخترقه ، هلا طرق بابي ولا أطرقه ، إنّا للّه على هؤلاء العصاة ، ما أجهلهم بشرف الكلمات . هلّا نظروا إلى سيدهم قد وسعه قلبي ، وتضمنه لبّي ، وهم خلقوا من أجلي ، وعرفوا أن ما ثمّ في الوجود مثلي ، ما بال الفرصة لا تأتيني حتى أسعى إليها ، ما بال الثمرة لا تنزل عليّ قبل أن أنزل عليها . يا ليت شعري ما هذه الغلطة ، وما هذه الخطّة ، تفطّنت للمعنى المراد ، والسر الكمين في الفؤاد ، لا يتمكن لها أن ترد إليّ ، ولا تنزل عليّ ، لجهلها بمكاني ، فلا تعرف أين تراني ، فمعرفتي بها أنزلتني عليها ، وحملتني إليها ، ألا ترى اللّه معنا بهذه المثابة لمّا لم نعرفه لم نرحل إليه ، ولا نزلنا عليه . فعرفنا فنزل ، واتخذ قلب العبد بيتا