وإليه تنزّل . فلهذا التحقق الإلهي عندنا عرّفنا الأشياء وما عرفتنا ، فوجب علينا السعي إليها والنزول عليها .
يا حكمة ما أجلاها ، وقطرة مزن ما أعذبها وأحلاها ، لولا الجمال ما اشتهيت المال ، ولولا الرذيلة ما تعشقت بالفضيلة ، ولولا النقص ما رغبت في الكمال . لهذه العلة جهلت الإشارات ، ولم تعرف العبارات ، فإنه أمران فصل وجمع . فالعالم في الفصل ، وأنا في الجمع . فكل شيء بالإضافة إلى ما يقابله موسوم ، وبرسمه مرسوم .
فلو لا العلو ما سمي السّفل ، ولولا الطيب ما عرف التفل ، ولولا القشر ما عزّ اللب ، ولولا العبد ما علم الرب . فالعلو لا يكون سفلا أبدا .
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى
[ طه : 135 ] .
وأنا الذي استوى ، وسقط ، وطلع ، وهبط ، وعصم وغلط ، وعلا وسفل ، وارتفع ونزل .
يا ليت شعري : هل فهمت العقول إشاراتي ؟
هل سمعت الآذان عباراتي ؟
هل عرف ما وراء هذه الحروف ؟
هل علم ما حوته هذه الظروف ؟
واها لسرّ مكتوم ، ووعاء مختوم .
وبعد :
يا كعبة الحسن ، ويا روضة المزن . قد ناجيت فيك من أوجدك ، وسألت فيك من وحّدك . إن تصح العزائم فتتحد الأسرار ، وتصحو السماء فتتقد سرج الأنوار ، فتدرعت الشرفة قائما ، وقمت باسمه اللّه حاكما . فقلت :
يا اللّه بك عزّ الذليل ، واهتدى الدليل ، ولاح السبيل .
نصبت هذه الكعبة ، وجعلت القلوب إليها صبّة ، وأنا أريد أن أصف لك حالة تعلمها ، وصفة لم تزل حقيقتي تلزمها ، لما أرخي العنان عنانه ، وزخرف الجنان جنانه ، وأضحك النور نوّاره ، وجلى طلوع الزهر أزهاره ، سطع الجمال في سماء الاقتبال ، فتحير البال ، واشتد البلبال ، وفارت المراجل في الصدور ، وأخذت الأسرار في الورود بعد الصدور ، وعظم الخطب ، وقلّ العزاء ، وجلّ الأمر ، وعمّت البلواء .
فما ترى كل زوج بهيج إلّا في أمر مريج . فأردت في سؤالك تسكين ما تحرك ، وخلع