تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
[ الفتح : 4 ] ، وقال :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
[ المدّثر : 31 ] . فهو تعالى حافظ هذه المدينة الإنسانية لكونها حضرته التي وسعته وهي عين مملكته ، وما وصف نفسه بالجنود والقوة إلّا وقد علم أنه تعالى قد سبقت مشيئته في خلقه أن يخلق له منازعا ينازعه في حضرته ويثور عليه في ملكه بنفوذ مشيئته فيه وسابق علمه وكلمته التي لا تتبدّل سماه الحارث ، وجعل له خيلا ورجلا وسلّطه على الإنسان فأجلب هذا العدو على هذا الملك الإنساني بخيله ورجله . ووعده بالغرور بسفراء خواطره التي تمشي بينه وبين الإنسان فجعل اللّه في مقابلة أجناده أجناد ملائكته ، فلما تراءى الجمعان وهو في قلب جيشه جعل ميمنة ومسيرة وتقدمة وساقة وعرفنا اللّه بذلك لنأخذ حذرنا منه من هذه الجهات فقال اللّه تعالى لنا أنه قال هذا العدو .
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ
[ الحجرات : 16 ] . وهو في قلب جيشه في باطن الإنسان فحفظ اللّه هذا الملك الإنساني بأن كان اللّه في قلب هذا الجيش ، وهذا العسكر الإنساني في مقابلة قلب جيش الشيطان ، وجعل على ميمنته الاسم الربّ ، وعلى ميسرته الاسم الملك ، وعلى تقدمته الاسم الرحمن ، وفي ساقته الاسم الرحيم ، وجعل الاسم الهادي يمشي برسالة الاسم الرحمن ، الذي في المقدمة إلى هذا الشيطان ، وما هو شيطان الجان وإنما أعني به شيطان الإنس . فإن اللّه تعالى يقول :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ الأنعام : 112 ] ، وقال :
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ( 4 ) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ( 6 )
[ الناس : 4 - 6 ] . فإن شياطين الإنس لهم سلطان على ظاهر الإنسان وباطنه ، وشياطين الجن هم نوّاب شياطين الإنس في بواطن الناس ، وشياطين الجن هم الذين يدخلون الآراء على شياطين الإنس ، ويدبرون دولتهم فيفصلون لهم ما يظهرون فيها من الأحكام ، ولا يزال القتال يعمل على هذا الإنسان المؤمن خاصة فيقاتل اللّه عنه ليحفظ عليه إيمانه ، ويقاتل عليه إبليس ليرده إليه ، ويسلب عنه الإيمان ، ويخرجه عن طريق سعادته حسدا منه . فإنه إذا أخرجه تبرأ منه وجثا بين يدي ربه الذي هو مقدم صاحب الميمنة ويجعله سفيرا بينه وبين الاسم الرحمن ، وعرّفنا اللّه بذلك كله لنعرف مكايده . فهو يقول للإنسان بما يزين له ( أكفر ) فإذا كفر يقول له :
إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها
[ الحشر : 16 ، 17 ] . لأن الكفر هنا