ملحق 2 حضرة العظمة
إنّ العظيم الّذي تعظّمه * أفعاله ليس من يقول أنا
ومن يقل إنّما تعظّمه * أحسابه لا أرى له ثمنا
فلا تعظّمه إنّه رجل * يحشر يوم الحساب في الجبنا
يدعى صاحبها عبد العظيم ، وحال هذا العبد الاحتقار التام مع كونه محلا للعظمة فيفنيه عن نفسه ، وما رأيت أحدا يحكم هذا المقام إلّا شخصا واحدا من حديثه الموصل ، وأخبرني شيخي أبو العباس العريني من أهل العليا من غرب الأندلس أنه رأى واحدا أيضا من أهل هذه الحضرة ، وقد تلبس كالحلاج فيعظم جسمه في أعين الناظرين بالأبصار ، وأمّا حكمها في النفوس فكثير الوقوع ، فإنه تقع أمور كثيرة يعظم في النفوس قدرها بحيث لا تتسع النفس لغيرها ، ولا سيما في الأمور الهائلة التي تؤثر الخوف في النفوس .
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
[ الحج : 32 ] .
وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ
[ الحج : 30 ] .
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] .
ولكن في نفس الموحد يشاهد عظمته في نفس المشرك لا في نفسه فيشاهده ظلمة عظيمة إذا أخرج يده فيها لم يكد يراها .
واعلم
أن العظمة حال المعظّم ( اسم فاعل ) لا حال المعظّم ( اسم مفعول ) إلّا أن يكون الشيء يعظم عنده ذاته فعند ذلك تكون العظمة حال المعظّم لأن المعظّم ( اسم فاعل ) ما عظمت عنده إلّا نفسه فهو من كونه معظما نفسه كانت الحال صفته ، وما عظم سوى نفسه ، فالعظمة حال نفسه ، وهذه الحالة توجب الهيبة والإجلال والخوف فيمن قامت بنفسه . قال بعضهم :
كأنّما الطّير فوق أرؤسهم * لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
لما في قلوبهم من هيبته وعظمته ، وقال الآخر :
أشتاقه فإذا بدا * أطرقت من إجلاله
لا خيفة بل هيبة * وصيانة لجماله