تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
وهذه الأسباب كلها موجبات لحصول العظمة في نفس هذا المعظم إلّا من عظمة الحق في القلوب لا توجبها إلّا المعرفة في قلوب المؤمنين ، وهي من آثار الأسماء الإلهية . فإن الأمر يعظم بقدر ما ينسب إلى هذه الذات المعظمة من نفوذ الاقتدار وكونها تفعل ما تريد ولا رادّ لحكمها ، ولا يقف شيء لأمرها فبالضرورة تعظم في قلب العارف بهذه الأمور ، وهي العظمة الأولى الحاصلة لمن حصلت عنده من الإيمان ، والمرتبة الثانية من العظمة هي ما يعطيه التجلي في قلوب أهل الشهود والوجود من غير أن يخطر لهم شيء من تأثير الأسماء ، ولا من الأحكام الإلهية بل بمجرد التجلي تحصل العظمة في نفس من يشاهده ، وهذه العظمة الذاتية لا تحصل إلّا لمن شاهده به لا بنفسه ، وهو الذي يكون الحق بصره ولا أعظم من الحق عند نفسه ، فلا أعظم من الحق عند من يشهده في تجليه ببصر الحق لا ببصره ، فإن بصر كل إنسان وكل مشاهد بحسب عقده وما أعطاه دليله وهذا الصنف من أهل العظمة خارج عمّا ارتبطت عليه أفئدة العارفين من العقائد فيرونه من غير تقييد فذلك هو الحق المشهود ، فلا يلحق عظمتهم عظمة معظم أصلا ، وما أحسن ما جاء هذا الاسم حيث جاء في كلام اللّه ببنية فعيل فقال : عظيم . وهي بنية لها وجه إلى الفاعل ووجه إلى المفعول . ولما كان الحق عظيما عند نفسه كان هو المعظّم والمعظّم فأتى بلفظ يجمع الوجهين كالعليم سواء ، وقد يرد هذا البناء ويراد به الوجه الواحد من الوجهين كالاسم الحليم ، هذا لسان الظاهر وعلم الرسم . وأمّا علم الحقيقة المعتمد عليه عند العارفين . فكل فعيل في أسماء الحق وصفاته ونعوته كالحليم والعليم والكريم فلا فرق بين هذه الأسماء وبين العظيم في دلالتها على الوجهين ، وذلك لكونه هو الظاهر في مظاهر أعيان الممكنات فما حلم إلّا عنه ولا تكرم إلّا عليه . ألا ترى حكم إيجاد المرجح إيجاده عند المتكلمين إلّا بالقدرة أو القادرية عند بعضهم ، أو بكونه قادرا عند طائفة فهو القادر ، ولا يترجح الممكن إلّا بالإرادة كما قلنا في القدرة على ذلك الترتيب والمساق فهو المريد . فالمريد إذا أراد ترجيح الوجود على العدم في المخلوق إن لم يكن هو القادر على ذلك ، وإلّا فعدم الإرادة أو وجودها على السواء . فيحتاج المريد إلى القادر بلا شك والعين واحدة ما ثمّ عين زائدة مع اختلاف الحكم . فلهذا قلنا في هذا البناء في حق الحق بطلب الوجهين ولا يقدر أحد من الطوائف من العلماء باللّه على مثل هذا العلم الإلهي إلّا العلماء الراسخون من أهل اللّه الذين هوية الحق علمهم كما هي سمعهم وبصرهم فاعلم ذلك . واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .