تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
هو الشرك ، وهو الظلم العظيم ولذلك قال :
وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ
يريد المشركين ، فإنهم الذين لبسوا إيمانهم بظلم وفسره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما قاله لقمان لابنه :
يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] . فعلمنا بهذا التفسير أن اللّه أراد بالإيمان هنا في قوله :
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] أنه الإيمان بتوحيد اللّه ، لأن الشرك لا يقابله إلّا التوحيد . فعلم النبي صلى اللّه عليه وسلم ما لم تعلمه الصحابة ، ولهذا ترك التأويل من تركه من العلماء ولم يقل به ، واعتمد على الظاهر ، وترك ذلك للّه ، إذ قال :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
[ آل عمران : 7 ] . فمن أعلمه اللّه بما أراده في قوله ، علمه بإعلام اللّه لا بنظره ، ومن رحمة اللّه بخلقه أنه غفر للمتأولين من أهل ذلك اللسان العلماء به إذا أخطأوا في تأويلهم فيما تلفظ به رسولهم . إمّا فيما ترجمه عن اللّه ، وإمّا فيما شرع له أن يشرعه قولا وفعلا ، وليس في المنازل الإلهية كلها على كثرتها ما ذكرنا منها في هذا الكتاب ، وما لم نذكر من يعطي الإنصاف ويؤدي الحقوق ولا يترك عليه حجة للّه ولا لخلقه فيوفي الربوبية حقها والعبودية حقها ، وما ثم إلّا عبد ورب إلّا هذا المنزل خاصة هكذا أعلمنا اللّه بما ألهمه أهل طريق اللّه الذي جرت به العادة أن يعلم اللّه منه ورثة أنبيائه . وهو منزل غريب عجيب أوله يتضمن كله ، وكلّه يتضمن جميع المنازل كلها . وما رأيت أحدا تحقق به سوى شخص واحد مكمّل في ولايته لقيته بإشبيليّة ، وصحبته وهو في هذا المنزل ، وما زال عليه إلى أن مات رحمه اللّه . وغير هذا الشخص فما رأيته مع أني ما أعرف منزلا ، ولا نحلة ، ولا ملّة إلّا رأيت قائلا بها ومعتقدا لها ومنصفا بها باعترافه من نفسه . فما أحكي مذهبا ولا نحلة إلّا عن أهلها القائلين بها ، وإن كنّا قد علمناها من اللّه بطريق خاص ، ولكن لا بد أن يرينا اللّه قائلا بها لنعلم فضل اللّه عليّ وعنايته بي حتى أني أعلمت أن في العالم من يقول بانتهاء علم اللّه في خلقه ، وأن الممكنات متناهية ، وأن الأمر لا بد أن يلحق بالعدم والدثور ، ويبقى الحق حقا لنفسه ولا عالم . فرأيت بمكة من يقول بهذا القول ، وصرح لي به معتقدا له من أهل السوس من بلاد المغرب الأقصى . حجّ معنا وخدمنا وكان يصرّ على هذا المذهب حتى صرح به عندنا ، وما قدرت على ردّه عنه ، ولا أدري بعد فراقه إيّانا هل رجع عن ذلك ، أو مات عليه ؟ وكان لديه علوم جمة وفضل إلّا أنه لم يكن له دين وإنما كان يقيمه صورة عصمة لدمه . هذا قوله لي ويعطيه مذهبه . وليس في مراتب الجهل أعظم من هذا الجهل . واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .