العبد ، وكانت صورة اختزانه - إذ لا يختزن إلّا أمر وجودي - أن اللّه لما أراد إيجاد هذا المكتنز ، تجلى في صورة آدمية ، ثم تكلم بهذا الأمر الذي يريد أن يكتنزه لنا أو لمن شاء من خلقه ، فإذا تكلم به أسمعه ذلك المكان ، الذي يختزنه فيه فيمسك عليه ، فإذا أنشأ اللّه ذلك المكان صورة ظهر هذا الكنز في نطق تلك الصورة ، فانتفع بظهوره عند اللّه ، ثم لم يزل ينتقل في ألسنة الذاكرين به دائما أبدا ، ولم يكن كنزا إلّا فيمن ظهر منه ابتداء ، لا في كل من ظهر منه بحكم الانتقال والحفظ .
وهكذا كلّ
« من سنّ سنّة حسنة »
« 1 » ابتداء من غير تلقف من أحد مخلوق إلّا من اللّه إليه فتلك الحسنة كنز اكتنزها اللّه في هذا العبد من الوجه الخاص ، ثم نطق بها العبد لإظهارها ، كالذي ينفق ماله الذي اختزنه في صندوقه فهذا صورة الاكتناز - إن فهمت - .
فلا يكون اكتنازا إلّا من الوجه الخاص الإلهي ، وما عدا ذلك فليس باكتناز .
فأول ناطق به هو محل الاكتناز ، الذي اكتنزه اللّه فيه .
وهو في حق من تلقفه منه ذكر مقرب كان موصوفا بأنه كنز ، فهذه كلها رموزه لأنها كلها كنوزه .
وبعد أن أعلمتك بصورة الكنز والاكتناز ، وكيفية الأمر في ذلك لتعلم ما أنت كنز له ، أي : محل لاكتنازه ، مما لست بمحل له إذا تلقنته ، أو تلقفته من غيرك فتعلم عند ذلك حظك من ربّك وما خصّك به من مشارب النبوة . فتكون عند ذلك على بينة من ربك فيما تعبده به ، ولا تكون فيما أنت محل لاكتنازه وارثا ، بل تكون موروثا فتحقق ما ترثه وما يورث منك . ومن هذا الباب مسألة بلال الذي نص عليها لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله له :
« بم سبقتني إلى الجنة »
« 2 » ؟
يستفهمه إذ علم أن السبق له صلى اللّه عليه وسلم فلما ذكر له ما نص لنا قال : بهما . أي :
بتينك الحالتين فمن عمل على ذلك كان له أجر العمل ، ولبلال أجر التسنين وأجر عملك معا . فهذا فائدة كون الإنسان محلا للاكتناز .
هامش
( 1 ) رواه ابن خزيمة ، باب استحباب الإعلان بالصدقة . . وحديث رقم ( 2477 ) وابن ماجة في سننه ، باب من سنّ سنّة حسنة أو سيئة . . ، حديث رقم ( 203 ) ، ورواه غيرهما .
( 2 ) رواه ابن خزيمة في صحيحه ، باب استحباب الصلاة . . . ، حديث رقم ( 1209 ) وابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان بأن بلالا . . . ، حديث رقم ( 7086 ) والحاكم في المستدرك ، من كتاب صلاة التطوع ، حديث رقم ( 1179 ) والترمذي ، باب في مناقب عمر ، حديث رقم ( 3689 ) ورواه غيرهم .