اعلم
أن للّه كنوزا في الطبيعة التي تحت عرش العماء ، اكتنز فيها أمورا ، فيها سعادة العباد . كاكتزان الذهب في المعدن . وصور هذه الكنوز صور الكلمات المركبة من الحروف اللفظية فلا تظهر ، إذا أراد اللّه إظهارها ، إلّا على ظهر أرض أجسام البشر على ألسنتهم . وإنفاقها والانتفاع بها عين التلفظ بها ، مثل قول الإنسان .
« لا حول ولا قوة إلّا باللّه العليّ العظيم »
. فهذه الكلمات من الكنوز المنصوص عليها من اللّه على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم ،
وأول ما أظهرها اللّه تعالى على لسان آدم عليه السلام فهو أول من أنفق من هذا الكنز في الطواف بالكعبة حين أنزله جبريل فطاف به بالكعبة فسأله : ما كنتم تقولون في طوافكم بهذا البيت ؟ فقال جبريل عليه السلام :
كنا نقول في طوافنا بهذا البيت « سبحان اللّه ، والحمد للّه ، ولا إله إلّا اللّه ، واللّه أكبر » .
فأعطى اللّه آدم وبنيه من حيث لا تعلمه الملائكة كلمة « لا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم » . فقال آدم لجبريل عليهما السلام : وأزيدكم أنا : « لا حول ولا قوة إلّا باللّه العليّ العظيم » .
فبقيت سنّة في الذكر في الطواف لبنيه ، ولكل طائف به إلى يوم القيامة . فأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن هذه الكلمة أعطيها آدم عليه السلام من كنز تحت العرش
« 1 » .
فالكنوز المكتنزة تحت العرش ، إنما هي مكتنزة في نشأتنا ، فإذا أراد اللّه إظهار كنز منها ، أظهره على ألسنتنا ، وجعل ذلك قربة إليه ، فإنفاقه النطق به . وهكذا جميع ما اكتنزه مما فيه قربة ، وما ليس بقربة ممّا هو مكتنز ، بل يخلق في الوقت في لسان
هامش
( 1 ) يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري وغيره بألفاظ متقاربة ونص رواية البخاري هي : عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : لما غزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيبر ، أو قال : لما توجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلا اللّه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم » وأنا خلف دابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسمعني وأنا أقول لا حول ولا قوة إلا باللّه فقال لي : « يا عبد اللّه بن قيس » قلت : لبيك يا رسول اللّه ، قال : « ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة ؟ » قلت : بلى يا رسول اللّه فداك أبي وأمي ، قال : « لا حول ولا قوة إلا باللّه » ( صحيح البخاري ، حديث رقم 3968 وانظر صحيح مسلم حديث رقم 2704 وصحيح ابن حبان حديث رقم 449 ) .