فإذا اتضح للعبد طريق السعادة وطريق الشقاوة ، ورأى غاية الطريقين إلى اللّه تعالى . فلا يخلو هذا العبد . إمّا أن يلحظ نفسه وما يعطيه طبعه . وإمّا أن لا يلحظ ذلك .
فإن لم يلحظ ذلك : فلا يقع له التميز من الطريقين من حيث الغاية . فلا يسأل النجاة من النار ، ولا يسأل نعيم الجنان . بل ينظر في الطريقين نظر متنزّه قد تسامى عن حكم الأكوان فيه . وذلك إذا كان الاسم « اللّه » في غاية الطريقين حينئذ يكون بهذه المثابة .
فإن لحظ نفسه : في هذا المشهد مع الاسم « اللّه » في الغاية فصّل برؤيته نفسه ما في الاسم « اللّه » من الإجمال فهرب من النار ، وطلب الجنة . فإن رأى غاية كل طريق الاسم الخاص به فرأى في طريق السعادة الاسم المنعم ، ورأى في طريق الشقاوة الاسم المبلي ، فرّ من اللّه إلى اللّه . فرّ من المبلي المنتقم إلى المنعم ، والاستعاذة به .
قال : أعوذ بك منك . فإنه هرب منه إليه ، ولا سيما إن شاهد أهل الخبرة والتيه ، الذين تخيلوا في ضلالتهم أنهم على هدى يشتد تعوذه لعظيم سلطان هذا المكر . حيث مكر بهم من حيث لا يشعرون
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
[ الأعراف : 182 ] .
فإن الضال إذا عرف أنه ضال ، فهو على هدى في ضلالته ، لكن يكون ظالما مستكبرا عالما فيرجى له . لأن العالم لا يمكن له أن يلتبس عليه معلومه بعد قيام العلم ، وحضوره معه . لكن كما قال تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 14 ] . هذا وصف العالم تشم عليه روائح السعادة .
وقال في الشقي المطلق الجاهل :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف : 12 ] . فسبب إبايته وتكبره جهله . بخلاف الأول الذي سبب إبايته عن الانقياد بالظاهر تكبره على جنسه . فإن العالم لا يتمكن له الإباية بباطنه لحصول العلم عنده . فهو منقاد مطيع باطنا . معتاص جموح ظاهرا . وأمره إلى اللّه . وقد تكلمنا عليه في كتاب ( لا إله إلا اللّه ) مستوفى فإن هناك محله ومكانه .
ثم إن السعيد المجتبى إذا عاين معارج المهتدين الذين يقدموه زمانا ورأى صفاء أنوارهم لما تخلصت عن ظلماتهم . وتلك الضياءات اللامعة المستخلصة من ظلمة الكون الثقلى بالضرورة يرى نوره دون أنوارهم في الصفاء والشعشعانية . وقد يكون فوق من رأى بالرتبة والفضيلة وهو لا يشعر لما يرى من المفاضلة بين النورين ، وما يعلم أن سبب قصور نوره أنه للعلاقة الماسكة له لبقاء هذه الجثة الظلمانية وشغله بها ، وعدم تخلصه منها . فيسأل حينئذ ربه تعالى في العروج به على معارج هذه الأنوار التي تراءت له رغبة في الصفاء المحض الذي لا يشوبه تكدير وتكثر . رغبته في ذلك والحاجة وطلبته إلى أن يتخلص كما تخلصوا فيكون صفاؤه عند ذلك على قدر ما