فأمّا أصحاب الدعاوى المهلكة ، فادّعوا الربوبية مطلقا فهلكوا ، وكانوا من الخاسرين . وهم طائفتان :
* طائفة ادعت القوة لها كفرعون ، وغيره .
* وطائفة ادعت أن القوة للّه ، والفعل لها . وهم المعتزلة ومن تابعهم .
فهؤلاء أصحاب الدعاوى المهلكة .
وأمّا أصحاب الدعاوى الصادقة : فهم أصحاب غفلات مع العقد السليم فللّه معهم لغزان . إن أخذهم بعقدهم ابتداء سلموا من غير مشقة ، وإن أخذهم بغفلتهم شقوا ثم شفع فيهم عقدهم فانتقلوا إلى دار السعادة ، ولكن لم يشموا رائحة من الكون المتصل ، الذي هو عين الجمع والوجود .
وثمّ طائفة من أصحاب الدعاوى الصادقة نظر الحق إليهم بعين العناية فهداهم ليستخلصهم لنفسه ، واصطنعهم في دار الامتزاج قبل الرحلة إلى دار التخليص . فعجّل لهم التخليص هنا . ففرّق بين ظلمتهم ونورهم شهودهم الذي أشهدهم .
فأفنوا ثمّ أفنوا ثمّ أفنوا * فكانوا في الوجود لسان حقّه
وأبقوا ثمّ أبقوا ثمّ أبقوا * فصرّفهم على مقدار وفقه
وما أفنوا ، ولا أبقوا فكانوا * لهو المستور في أطوار خلقه
فناداهم عبيدي من عبادي * فردّوا من تناديه بحقّه
مقيم لا يزال يراك فيه * وتبصره على تحقيق صدقه
فإن أخرجته منه فأهلا * وسهلا وليكن إخراج شوقه
إليّ نزل بتركيب نزيه * عن التّحليل مقرون بأفقه
وريّ بعد شرب نال منه * على قدر ولكن بعد ذوقه
فلما ألحقهم بالكون المتصل ناداهم فلم يجيبوا فتعطلت الأسماء في حقهم ، وما ظهر لها أثر في لطائفهم . فبعد هذا المشهد العلي ، والحال السنيّ ردّهم إلى الكون المنفصل ، فنطقوا بلسان التقوى فيه ، لا بلسان الدعوى ، فكانوا حاكين ما نصّ لهم ، تالين ما أمروا بتلاوته ، لا طالبين ؛ فهم الشهود الأمناء ، وهم الأبرياء الأخفياء لا يعرفهم سواه . مجهولة أحوالهم من حيث الشّبه بالصورة ، واختلاف البواعث والمعاني . فهم يأكلون ويشربون ، ويركبون ، وينكحون ، ويمزحون ، ويضحكون .
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 7 ] .