وما ذكر هذا الوصف عن غير الثقلين أصلا . فإذا كنى العبد عن نفسه بنون نفعل ، فليست بنون التعظيم ، وإذا كنى عن الحق تعالى بضمير الإفراد ، فإن ذلك لغلبة سلطان التوحيد في قلب هذا العبد ، وتحققه به حتى سرى في كليته ، فظهر ذلك في نطقه لفظا كما كان عقدا وعلما ومشاهدة وعينا ، وهذه النون نون الجمع . فإن العبد وإن كان فردانيّ اللطيفة ، وحدانيّ الحقيقة فإنه غير وحداني ولا فرداني من حيث لطيفته ومركبها وهيكلها وقالبها . وما من جزء في الإنسان إلّا والحق تعالى قد طالب الحقيقة الربانية التي فيه . إن تلقى على هذه الأجزاء ما يليق بها من العبادات . وهي في الجملة وإن كانت المدبرة فلها تكليف يخصها يناسب ذاتها . فلهذه الجمعية يقول العبد للّه تعالى :
« لك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، وإياك نعبد » « 1 » وأمثال هذا الخطاب .
ولقد سألني سائل من علماء الرسوم عن هذه المسألة عينها . كان قد حار فيها .
فأجبته بأجوبة منها هذا فشفى غليله والحمد للّه . ولهذا الباب أسرار لطيفة ومعان دقيقة أضربنا عن إيرادها في هذا المختصر لأسباب ولكن قد تأتي مفرقة في « الفتوحات » .
فإن هذه « الفتوحات المكية » تضمنت « خمسمائة كتاب وستين كتابا » هذا أحد هذه الكتب ، وهو من فصل المنازل . وهذا الفصل مائة منزل وبضعة عشر منزلا . كل منزل كتاب ، وهذا الباب على ثلاثة أقطاب : قطب يتضمن سبعين ركنا من أركان رفيع الدرجات . وقطب يتضمن ركنين من البهاء . وقطب يتضمن أربعة أركان من أركان الديمومية .
هامش
( 1 ) رواه ابن خزيمة ، باب ذكر الدليل على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما أوتر . . . ، حديث رقم ( 1100 ) [ 2 / 155 ] ورواه غيره ولفظ رواية ابن خزيمة هو أن عمر خرج ليلة في رمضان فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القارئ فطاف بالمسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر : واللّه إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل ثم عزم عمر على ذلك وأمر أبي بن كعب أن يقوم لهم في رمضان فخرج عمر عليهم والناس يصلّون بصلاة قارئهم فقال عمر : نعم البدعة هي والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون ، يريد آخر الليل ، فكان الناس يقومون أوله وكانوا يلعنون الكفرة في النصف اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابه إله الحق ، ثم يصلي على النبي صلى اللّه عليه وسلم ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ثم يستغفر للمؤمنين ، قال : وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته : اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ربنا ونخاف عذابك الجد أن عذابك لمن عاديت ملحق ثم يكبّر ويهوي ساجدا » .