فأول هذا الباب ألف المدح ، وآخره نون الكون ويتصرف الثناء بين المكوّن والمكوّن فيثني المكوّن على المكوّن فثناؤه على نفسه . ويثني المكوّن على المكوّن حقيقة ويجني ثمرة ثنائه بما يليق بحقيقته .
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
[ الإسراء : 84 ] .
فثناء المكوّن قول القائل :
فإذا مدحت فإنّما أثني على نفسي * فنفسي عين ذات ثناء
وثناء المكوّن قول الآخر :
إذا نحن أثنينا عليك بصالح * فأنت الّذي تثني فوق الّذي نثني
لكن الثناء على الألوهية بالربوبية من أعجب ما سمعته الآذان وسطرته الأقلام .
ولكن لما قامت الألوهية هنا مقام الذات ، ونابت منابها ؛ لأنها الوصف الأخص والنعت الأعلى ، والاسم الأسنى لذلك أثنى عليها بالربوبية وغيرها من أسماء الثناء كالملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، إلى غير ذلك .
هذا وإن كان الثناء من المكوّن بأي اسم كان . فإن كل كون يكون حظه من الثناء بذلك الاسم على قدره في علمه بمنشئه من وجه حقه لا من وجه سببه ، وقدره في علمه راجع إلى قدر قبوله ، وقبوله على قدر استعداده . واستعداده الأكمل على قدر نشأته ، مفردا كان أو مركبا ، ذا جسم أو غير جسم . والعالم كله أعلام منصوبة للدلالة عليه سبحانه من حيث ما هو ناصب لها ومن حيث ما أودع فيها ، لا من حيث ما هو عليه تعالى ، ومن حيث ما يعرف نفسه . لأنه يتقدس ويتعالى عن تعلّق الأفكار به ، وتحصيلها له عند منتهى سفرها وإلقائها عصا تسيارها ، فإنها ما انتهت في سفرها ، وما ألقت عصاها بعدما وفّت حقيقتها في المطلب ، إلّا في بحر العجز والحيرة ، وخلف حجاب العزّة والغيرة ، ولكن نعم ما سافرت هذه الأفكار ، ونعم ما حصلت في طريقها من الأسرار ، لكن ما أوتي عليها إلّا من مفارقة ذاتها وجولانها في غير ميدانها ، والمطلوب إليها أقرب من حبل الوريد .
وقد قال القائل :
قد يرحل المرء لمطلوبه * والسّبب المطلوب في الرّاحل
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ السجدة : 17 ] هو قرة الأعين ، وشفاء لما في الصدور ، من علل طلبه والبحث فيما لا مبحث فيه . فلو سكنت لرأته منها